الأحد، 22 يونيو 2014

يوسف صبرة، قاضي الإعدامات الصمري الرهيب، من يردعه؟!

هذا القاضي المصري يوسف صبرة، قاضي السيسي، المتخصص في إصدار الإعدامات أسرعُ في إطلاق أحكامه "القضائية" من ظلّه...
مَنْ قَتَل بالسيف، بالسيف يُقتَلُ...



 

الأحد، 15 يونيو 2014

ثلاثة مستوطنين صهاينة أهم عند جون كيري من 5000 أسير ومعتقل فلسطيني


الوزير الأمريكي جون كيري يتصل بالمدعو عباس ويطالبه بالمساعدة في البحث
عن الجنود المستوطنين في الخليل... لماذا لا يتساءل هذا المدعو لماذا لا يسأله كيري عن أحوال 5000 أسير ومعتقل وسجين فلسطيني في سجون النازية الصهيونية؟!
سؤال بسيط...   

السبت، 12 أبريل 2014

خليل النعيمي: "يصعدُ الجبلَ بعد عشرين قرناً الرجلُ الذي جاء من بادية الشام. يصعده باحثاً عنهم، عن آبائه، الذين عرفهم أكثر مما عرف أباه"


الروائي والكاتب خليل النعيمي لـ «العرب»:
كتابتي عن الأمكنة تكاد تكون كتابة سرية للرواية
2009-07-18 
حاوره من باريس: محمد المزديوي 
يستعد الجرّاح والروائي والرحالة العربي خليل النعيمي لنشر نصوصه الجديدة عن رحلته إلى أوزبكستان، حيث تتبعَ بعض خطى جده الحكيم والفيلسوف ابن سينا وتأمَّلَ طريق الحرير وكذا الطريق التي تتبعها تيمورلنك وهولاكو، وآخرون في رحلتهم المدوية حتى انكسارهم على أبواب دمشق (بالطبع ليست "دمشق 67" وهي رواية للكاتب).. وقد صدرت، منذ فترة قصيرة، طبعة ثانية لكل من رواية "تفريغ الكائن" ورواية "الخلعاء" (التي كتبت بجرة قلم واحدة، ومن دون نقاط ولا فواصل) وقد التقيناه في باريس، مدينة إقامته، وهو عائد للتو من لقاء هام حول أدب الرحلة وارتياد الآفاق عقد في الرباط (بالتنسيق بين مديرية الكِتَاب التي يديرها الشاعر حسن نجمي وبين مؤسسة "ارتياد الآفاق" التي ينسق أعمالها ودورياتها الشاعر السوري المقيم في لندن نوري الجراح) .. وكان هذا الحوار اللافت والصريح والشامل عن البدايات الباريسية والصخب الثقافي الباريسي (الذي خَفتَ كثيرا) وعن "موت الشعر" وعن أدب الرحلة وغيرها.

- نريد أن نعرف بدايات الدكتور خليل النعيمي الباريسية؟
* عندما وصلت إلى باريس في منتصف السبعينيات، بعد أن أنهيت دراسة الطب والفلسفة في جامعة دمشق، وبدأت تسجيلي في باريس في السوربون للتخصص في الجراحة ولمتابعة الدراسة في الفلسفة السياسية المعاصرة، كانت باريس، آنذاك، في قمة نشاطها الفكري والإبداعي، وأكاد أقول والجنسي أيضاً، لأن هذه السنوات القليلة التي تلت ثورة الطلاب في سنة 1968 كانت قد انفتحت على حركية اجتماعية سياسية هائلة، خاصة في الحي اللاتيني. وأتذكر، الآن، أنني حين كنت أهبط شارع "سان ميشيل" من ليكسمبورغ حتى نهر السين، كنت ألتقي بعشرات من المحلات والأكشاك التي تبيع الجرائد، وبخاصة الجرائد الثورية، جرائد الفوضويين: "الإباحي"، و "العالم الإباحي"، و "الطريق"، وجرائد الحركات السياسية المتمردة الأخرى التي كانت تُباع على الرصيف، ونشرات حركة الـ "situationistes"، و"اشتراكية أو بربرية"، بالإضافة إلى الجرائد والمجلات المعتادة. وكانت الفئات اليسارية في فرنسا في تلك المرحلة نشيطة جدا وتقيم الاجتماعات واللقاءات التي تكاد تكون يومية. والحركة السياسية في أوج نشاطها.

- القليل فقط من الكتاب والمثقفين يعرفون أنك أسهمت في إثراء الجدل والنقاش والمعارك الثقافية والسياسية في باريس، إلى جانب أسماء كعبدالقادر الجنابي والتونسي العفيف الأخضر، كما أنك أصدرت كتاباً لافتاً بعنوان "موت الشعر".. فهلاّ حدثتنا عن هذه الأشياء؟
* في هذه الفترة التقيتُ بأصدقاء عرب وصلوا أيضاً مثلي للتو إلى باريس، كان هناك شلة من الشباب الذين يهتمون بحال المجتمع العربي، والذين كانوا يبحثون عن منظور آخر للحركة السياسية العربية، لأننا مبكراً، في ذلك الوقت، بدأنا نحس أن الوضع السياسي العربي راكدٌ وسكونيٌّ ولن يؤدي إلى نتيجة، وأن الحركات العربية السياسية، خاصة في شقها اليساري الذي كنا نسميه في ذلك الوقت بـ "الشق الستاليني"، هي حركات أُفُقُها مسدود، وليس لديها منظور تاريخي. كانت تبدو لنا حركات كسيحة، ومشوِّهَة، أقصد أنها تشوِّه الواقع والتاريخ، وأتذكر أن أحد الأصدقاء كان يقول لي مبكراً إن الامبريالية السوفييتية ستنتهي قبل أن تنتهي الإمبريالية الأميركية، وكان هذا القول بالنسبة لي، آنذاك، وأنا القادم للتو من دمشق المحافِظة، نوعاً من التجديف، لأنني كنت أتصور أن الاتحاد السوفييتي بعظمته وأيديولوجيته التي هيمنت على العالم الثالث لعقود طويلة سيستمر أكثر من ذلك، وسيعمّق مسيرته الاشتراكية. هذا اللقاء "الباريسي" بالحركة السياسية الهامشية، عربياً، كان له تأثير عميق على توجهاتي واهتماماتي، حتى في مجال الكتابة، ولا تنسَ أنني وصلتُ إلى هنا، و "فكري" ملتبس وبليد، مع أن توتّراتي كانت في أوجها. هذا اللقاء العربي المنفَلِت معهم، والذي ترافق، بطبيعة الحال، بلقاءات أخرى مثيرة، وبخاصة مع "ثقافة" الفلاسفة الفرنسيين النقديين الذين أنشؤوا ما يمكن أن نسميه حركة الـ "situationistes"، أو فلسفة الأوضاع، وهي حركة ألقت الضوء بشدة على الخاصية الراكدة أو الساكنة أو اللا متحركة للفكر اليساري العالمي الذي كان سائداً آنذاك. هذه اللقاءات المتوترة والخاطفة هي التي ستهزّ أركان تكويني النفسي والعقلي والإبداعي. وكان أحد أهمّ الأسماء في هذا التيار، تيار الثقافة النقدية المُجدِّد هو "غي دوبور" الذي كتب "المجتمع المشهدي"، وقد كان أحد الأعمدة الأساسية في ذلك الحين، كان هناك، أيضاً، إلى جانبه صديقه "فانيغيم" الذي كتب أكثر من خلاصة ومن كتاب يعالج فيها وضع الإنسان في المجتمع الرأسمالي. وتكمن أهمية هذه الحركات في أنها كانت ترفض النهج الستاليني، وحتى التروتسكي المتشدد، وتحاول أن تخلط "ماركس" بـ "هيغل"، وهي تكاد تكون على حافة الحركة الفوضوية، إنْ لم تكن "فوضوية نقدية" بحق. ومهما يكن الأمر فقد شغفَتْني الحركة الفوضوية والتي كنتُ، أنا أيضاً، وإلى سنوات عديدة، أعتبر نفسي تابعاً لها.

- هل ظهر كتابك "موت الشعر" في هذه الفترة؟
* في هذه الفترة أصدرتُ كتيّبا صغيرا اسمه "موت الشعر"، وهذا الكتاب صدر في باريس عن دار نشر صغيرة، وأُعيد طبعه في مجلة دراسات عربية الصادرة عن دار الطليعة، في بيروت. هذا الكتيب اعتمد على دراسة لشعر أدونيس باعتباره أحد كبار الشعراء العرب الأحياء، وانطلَقَ من نظرة خاصة إلى دور الشعر وارتباط الشاعر بالسلطة، وعلاقة الشعر بالجمهور وبالتالي محدودية التأثير النقدي للشعر في الفكر الإنساني على المستوى السياسي وعلى مستوى الوعي أيضاً. لكنني فيما بعد لم أتابع هذه الأطروحة التي ضمّنتُها في "موت الشعر".

- من المفروض أنك جئت إلى باريس لدراسة الطب، لكنك لا تكاد تذكر هذا الجانب حين تتحدث عن بدايات باريس وتركز أكثر على الجوانب السياسية والفلسفية والفكرية.. فهل لأنك مأخوذ بالثقافة أكثر؟
* أتصور أن السبب في ذلك هو شغفي بفكرة المجتمع، فأنا كبدوي نشأتُ في الصحراء وكبرتُ فيها، تعلمتُ صدفة ودخلتُ الجامعة فيما بعد، لأدرس الطب والفلسفة، كانت تحركني رغبة عميقة في التواصل مع الآخرين، كنت أتصور دائما أنه لا يمكن أن ننفذ إلى قلب الكائن إلا عبر الفكر، وأن العمل المادي، جراحياً أو غير جراحي، ليس وسيلة أكيدة لتقريب الناس بعضها من بعض، وأن العمل بعلاقاته الاجتماعية المزيفة، غالباً، ما يكون مصدر نفور وإرهاق. ولأنني من عائلة أُمّية، ومن قبيلة أُمّية بالكامل، صرت أحس بقرابة عميقة مع المفكرين والفلاسفة والكتاب الذين أقرؤهم، كانوا هم آبائي الحقيقيين، حتى أنني عندما زرت أثينا، وصعدت إلى صخرة الأكروبول، كنتُ أكتب برأسي، وأنا أَرْقى، الُجمَل التالية: "يصعدُ الجبلَ بعد عشرين قرناً الرجلُ الذي جاء من بادية الشام. يصعده باحثاً عنهم، عن آبائه، الذين عرفهم أكثر مما عرف أباه". هذا المقطع يلخص تقريباً اهتمامي العميق بالفكر وبالكتابة وبالأدب، لأنني أتصور أن الانتقال من مجتمع بدوي مسطح وأفقي، وهو مجتمع إلى حد ما غير تراتبي ولا تراكم فيه، لا للثروة ولا للمعرفة، إلى مجتمع مثل المجتمع الدمشقي ثم المجتمع الباريسي، بعد ذلك، جعلني أحس بأهمية الاتصال بالآخر، وأبحث عن طريق أكثر حميمية وعمقاً، غير طريق المهنة، للوصول إلى ما أُريد، ووجدتُ أن الكتابة، والرواية منها بشكل خاص، قد تكون أفضل الوسائل لبلوغ ذلك. ولا بد، أن ثمة مسالكَ أخرى للتفسير، لكن تفسيري هو هذا.

- تحدثت عن "موت الشعر"، والتجأت إلى كتابة الرواية، ولك العديد منها.. فهل هذا الزمن هو زمنُ الرواية؟ ثم إنك تكتب أدب الرحلة إلى جانب الرواية.. فهل الرواية عاجزة عن قول كل ما تريد أن تعبر عنه؟
* بدأتُ نشاطي الأدبي شاعراً، وأصدرتُ أول كتاب لي وهو ديوان "صُوَر من ردود الفعل لأحد أفراد العالم الثالث" وكنت طالباً في كلية الطب في جامعة دمشق. والديوان مُنِع في دمشق بعد أسابيع من صدوره، مع أنه تمت الموافقةُ على طبعه وتداوُله. صُودِر، وأُعْدِم، ولم يبق لديّ منه إلا نسخة واحدة للذكرى. قد يكون ذلك المنع التعسّفي، عاملاً من عوامل هربي من الشعر، أو هرب الشعر مني، إذا أردنا الدقة. وعلى أي حال، كنتُ في ذلك الوقت، أقرأ كثيراً، والتقيتُ بديستوفسكي وجعلتني قراءتُهُ، هو بشكل خاص، إضافة إلى كتاب آخرين، أنتقل من طور إلى طور. من طور الوعي الشعري المُسطَّح العاطفي البرّاق اللفظي الذي يكاد يكون لَغْواً، إلى طور آخر. طور جعلني أقشعرُّ تحسُّساً، وارتباكاً. جعلني أعيد النظر في علاقتي الشخصية بكل شيء تقريباً. وهو شعور كان بالنسبة لي في ذلك الوقت لا يمكن تصوّره، لأنه، ببساطة، يقع في نطاق المقدّس الذي لا يخطر التفكير فيه، حتى مجرّد التفكير، على البال. مع ديستوفسكي، أدركتُ أن على الكائن أن يشك في كل شيء. حتى بعائلته، في أهله، في أبيه، في أخيه. في هذه الأثناء حدث، فجأة، ما يشبه القطيعة بيني وبين الشعر.

- كيف انتقلت إلى أدب الرحلة؟
* أنت تعرف أنه قد صدر لي قبل الآن، سبع روايات وثلاث كتب حول الرحلات... الكتاب الأخير "قراءة العالم" حاز على جائزة ابن بطوطة للرّحلة المُعاصرة، التي تمنحها دار السويدي في أبو ظبي. أما لماذا التجأتُ إلى كتابة الرحلة؟ فمنْ يدري؟ لكنني أستطيع أن أُبَسِّط الأمر فأقول إن انتقالي من دمشق إلى باريس وانتقالي من قبل من البادية إلى دمشق فتّح عينيّ، بعمق، على أهميّة المكان. وصرت أحسّ بشكل من الأشكال، بماهية العلاقة الخفية والسرية بين الكائن والمكان. وبدأتُ أرى ما يحيط بي بشكل آخر.. حتى أنني صرت أنظر إلى أبي وهو في الصحراء وإليّ وأنا في المدينة وإلى الآخرين وكأننا جزء من "الأمكنة" لا كائنات مستقلة عنها. وبدأتُ أخلط بين الكائن والمكان. وبالتالي فإن المكان لم يَعُد شيئا مجرَّدا.. لم يعُد منظراً ولا مَشهداً، ولم يعد حجارة وأنواراً وشوارع، فحسب. لقد صار بالنسبة لي "وضْعاً إنسانياً" له اعتباره الخاص. إنه كالكائن يحيا ويموت. أقصد يتجدد مثله ويهترئ. ثمة أماكن ننساها، ولا نعود نزورها. وهناك أمكنة تغدو، فجأة، "على الموضة"، يزورها الناس مع أنها لا تضيف لهم شيئاً. وإذا ما أردنا أن نذهب في هذا المنطق إلى آخره، نستطيع أن نقول: "إن المكان هو كل شيء في الوجود". واضح؟ للمكان حياته. له أبعاده وتعقيداته، وله معتقداته. لكن كتابتي عن الأمكنة تكاد تكون كتابة سرية للرواية، أو هي الرواية من وجهة نظر مكانية، بالأحرى. لأني عندما أحكي عن الأمكنة أجد لنفسي، أيضا، مكاناً، ولكن أين هو مكاني؟

- ولكن لِمَ تفعل ذلك؟ ما هدفك، أو غرضك؟
* ما يجعل كتابة الرحلة ممتعة هو شعور اختراق الحدود الفعلي عندما نرحل. وبالفعل نصير نحس أننا نتجاوز كل الحدود عندما نترك المكان الذي نحن فيه، الذي ألفناه، والذي عرفناه وأنشأنا فيه صداقات وأقمنا فيه علاقات إلى مكان آخر. في الرحلة يغدو تَرْك المكان المألوف شبه أسطورة. وهذا الإحساس الغامض هو نوع من العلاقة الحميمة، بين الكائن والمكان، قبل أي شيء آخر، فعندما نترك المكان المألوف وننتقل إلى مكان آخر، خاصة إذا كان المنتقل أو الراحل أو المسافر مبدعا أو كاتبا أو مفكرا فإن "الحدود" عنده تتقلص وتتلاشى كثيراً. وبالتالي يصير يشعُر بحرية أكثر. وقد يشْعُر أيضاً بأن كتابة الرحلة هي اللحظة الوحيدة التي ليس عليه أن يتقيد فيها بنمط معين، لا من حيث شكل الكتابة ولا من حيث المشاعر ولا من جهة الخطاب، فهي كتابة لا يتوجه فيها إلى أحد، أو على الأقل، هذا ما أحس به أنا. وهو ما أسمّيه أنا: "الكتابة المباشرة" لأنها كتابة حيَّة، آنيّة، تصف العلاقة العاطفية مع ما، ومَنْ، نرى ونعايش "على الحارك". هي لا "تُفَبْرك"، ولا تُزيِّف. هي أصدق الكتابات لأنها كتابة تفرضها علاقة المنظور وعلاقة الإحساس بين الكاتب وبين المكان الذي يتحرك فيه، في كتابة الرحلة ليس هناك رسالة، أو هي رسالة إلى مجهول.

الخميس، 10 أبريل 2014

جهل الساسة المطبق بقضية فلسطين وتآمرهم عليها!

فيديو؛ لماذا وصف وزير خارجية المغرب، الذي أهانه البوليس الفرنسي، ولم ينتفض، مفاوضات التسوية بالمسلسل؟


لأنه، كغيره من الساسة العرب، جاهل بالصراع العربي الصهيوني، أو لأنه متواطئ... 
لا حل إلا بالحل العُمري... ولكن هل يعرف هؤلاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؟!!!!

Borges عن بورخيس ومراياه ...



الوجه المستحيل
بورخيس.. وقصة المرايا
نقلا  عن مجلة الرافد شهر شباط 2014


إعداد: محمد محمد المزديوي
يتصدى المفكر الفرنسي جان-فرانسوا ماتيي (عضو المعهد الجامعي الفرنسي والأستاذ في جامعة نيس-صوفيا-أنتيبوليس، ومؤلف العديد من الكتب عن الفكر الإغريقي والعالم الحديث) لجانب لم يدرس، بما فيه الكفاية، في عمل خورخي لويس بورخيس، وهو الفلسفة. ولهذا السبب أصدر، سنة 2010، كتيباً شيقاً عن بورخيس بعنوان: «خورخي لويس بورخيس والفلسفة». ومن جهته لا يتورع بورخيس عن التذكير بعشقه للفلسفة. ويروي أن إعجابه بالفلسفة يعود إلى طفولته. فقد ساعده والده على اكتشاف سباق أخيل والسلحفاة على رقعة شطرنج مصنوعة من خشب الأرز.
وقد قمنا بترجمة هذا الجزء المعنون بالوجه المستحيل من الفصل الأول المعنون بالذاكرة.
إن افتتان خورخي لويس بورخيس بالمرايا يَعبُرُ كل عمله. فبالإضافة إلى المرايا المُقنَّعة سنة 1934 إلى مرايا الألغاز سنة 1940، وقصيدة المرايا سنة 1959، نجد ثلاثة نصوص، اثنان منها نثريان والثالث شعري، مكرسة للمرايا، دون مساس بالعدد الكبير من القصص التي ترد فيها المرايا بكثرة. المرآة والقناع، سنة 1975، هي حكاية ذات مغزى أخلاقي حول قصيدة القصائد، القصيدة الأخيرة التي تمحو كل القصائد الأخرى، مثلما يمحو كِتابُ الكتب كلَّ الكُتب الأخرى. في أزمنة خلت طلب ملك إيرلندا من شاعره الملحمي كتابة قصيدة تمتدح انتصاراته. وفي نهاية السنة عاد الشاعرُ إلى البلاط وألقى قصيدة طويلة أثارت إعجاب الملك واستحق عليها مِرآة من الملك. ولكن الملك طلب منه قصيدة أخرى أكثر جمالاً منها أنشدَها الشاعر في السنة التالية بسحر، جعل القصيدة، على قِصَرها، تبدو عصية على التجاوز. منحه الملك قِناعا من ذهب، وألحّ في طلب قصيدة ثالثة، متذرعاً أنّ الأشياء الجميلة لا تأتي إلا ثلاثاً. بعد سنة من العمل الدؤوب، عاد الشاعر إلى البلاط. كان الشاعر قد تغيَّرَ وبدا كما لو أنه إنسان آخر وأصبح أعمى*. بعد تردد أنشد قصيدته الغنائية التي كانت عبارة عن سطر واحد. تأثُّرُ الملك بالغ التأثر بهذا البيت الشعري الذي يعبر عن كل عجائب العالَم جعله يمنح هدية أخيرة للشاعر: خنجرا. اقتسم الاثنان نفس الخطيئة: «خطيئة معرفة الجمال، وهي نعمة محظورةٌ على البشر». انتحر الشاعر عند خروجه من القصر، في حين أن الملك أنهى حياته متسولا يجوب طرق مملكته السابقة. ليس بمقدور البشر رفع لغز الوجود ومعرفة «الكلمة التي تلخّص الكون» أو المعادلة التي تحتويه جميعاً. 
مما له دلالة أن المرآة، بالنسبة لبورخيس، توطئة للقناع، والقناع توطئة للموت. المِرْآة تَعْرِض وتُخفي بنفس الضوء، لأن الانعكاسات التي تنتجها تُضاعِف النموذج، ولكنها تُنجّيه من الرؤية، بسبب فيض الصُوَر. مخاتلة المرايا، تم التعبيرُ عنها بشكل يثير الإعجاب، في قصيدة المرآة التي نشرت سنة 1976. يُميط بورخيس، هنا، جانباً من القناع وهو يَكشف كيف أن خوفه من المِرْآة اتخذ أشكالاً متنوعة من الطفولة إلى الشيخوخة وعند الاقتراب من الموت:
«حين كنت طفلاً، كنت أخشى المرايا،
وأن أرى فيها وجهاً آخر غير وجهي،
أو قناعاً أعمى غير شخصي
يخفي دون شك شيئاً
فظيعاً».
على صورة بورتريه دوريان غراي، فإن المِرآة تحرّر، هنا، قوة استيلاب يهدد بالكشف، كما في القصة السابقة، تحت المرآة، عن القناع، وتحت القناع، عن الموت. يوجد هنا هاجس حقيقي للتشويه والذي هو الشكل الرمزي لخسران الهوية. إزاء «قناع أعمى لا شخصي»، سيكون محكوما على الطفل بنوع من فقدان الذاكرة الأنطولوجية تمنعه، تحديداً، من أن يكون شخصاً ما. ولكن المرآة لها وجهان، ويمكنها أن تُرسل صورة أخرى مختلفة:
«الآن،
أخشى أن تخبّئ لي المرآة،
الوجه الحقيقي لروحي،
مخدوش بِظلّ وخطايا،
الذي يراه الله، والذي يراه الرجالُ،
ربّما».
لم يَعُد محكوماً علينا، هنا، بهاجس السمولاكر، وبورخيس ليس شبيها بساحر الخرائب الدائرية (LES RUINES CIRCULAIRES). لقد حلم خلال فترة طويلة برجل كامل في داخله يخفي كونه لم يكن سوى شبحٍ؛ ولكنه في لحظة موته يلمح، بفظاعة، أنه لم يكن بدوره سوى مظهرٍ حلم به رجلٌ آخرُ. خشي بورخيس، هذه المرة، ألاّ تكون المرآة الممدودة من قبل الشيخوخة أو الحكمة، هي المرآة التي تحدث عنها أفلاطون في(محاورة) ألسيبياد (Alcibiade) ttوالتي هي مرآة الله. إن الروح البشرية لها «وجه حقيقي»، الوجه الذي تحدث عنه القديس بولس حين كتب إلى الكورنثيين أنه في العالم الآخر، سوف نرى، في العالم الآخر، «وجْهاً لوجه»، وليس بطريقة غامضة، في مرآة مظلمة. لا يُسمّي بول (القديس) الإله، ولا يتحدث عما سوف نراه. يكتفي بقول كيفية رؤيتنا له، أي ليس من خلال مِرْآة مظلمة، ولكن وجها لوجه. بورخيس، الذي لا يتحدث عن وجه الإله، يفهم هذه الرؤية، بطريقة أقرب إلى ليبنتز منها إلى بول (القديس)، مثل حجز الكل مكثفا في موناد (جوهر فرد، وهو أحد عناصر الوجود الأولية عند ليبنتز) واحد. وحين تكون لا نهائية الفضاء ولا نهائية الزمن ممنوحتين أمام نظرتنا في نقطة واحدة، سنعرف، أخيراً، مفتاح اللغز.
هذا هو الحدس الكبير الذي يُوجّه النص الأخير المكرَّس للمرايا، مرآة الحِبر. يتخيل بورخيس ساحراً من السودان، وهو سجين يعقوب الشاكي القاسي، يتضرع لدى الطاغية كي لا يقتله؛ وفي المُقابل سيُريه «أشكالا ومظاهر» أكثر روعة من أشكال ومظاهر الفوانيس السحرية. فيرسم بقصبة مُربَّعا في يد يعقوب ويسكب وسطه «دائرة من حِبْر» وهو يتلو هذه الآية القرآنية الكريمة: (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)[**]. في هذه المرآة المظلمة رأى الطاغيةُ في البداية انعكاسَهُ، رأى حصاناً جموحاً، وبادية خضراء، وقطيعاً من الخيول، ثم متجاسراً طلب رؤية «كل ظواهر العالَم»، المدن والممالك والأهرامات وصحارى الله، والسفن وهي تجوب البحارَ والنجوم والكواكب والمدينة التي تُسمّى أوروبا، وفي إحدى شوارعها رجُل مُقنَّع بقطعة قماش أبيض وهو ينتظر رؤية العذاب. حين كشفت مرآة الحبر وجه المُدان الذي نُزعَ عنه القناعُ، اكتشف الطاغية، «المفتون بالمِرْآة»، وجْهاً لوَجْه، وجْهَه الحقيقي وهو يتدحرج على الأرض، ميّتا، في اللحظة التي كشف فيها الحبرُ عن قطع رأس المُدان.
هذه القصة العجائبية تعلن، قبل اثنتى عشرة سنة، القصة الأكثر تمثيلية للحدس البورخيسي، الألِف Aleph. الحرفُ الأول في الأبجدية العربية يتضمن في حد ذاته كل الحروف الأخرى ويُجسّد الكون في حرف واحد، على المستوى الخطّي، وفي نقطة واحدة، على المستوى المكاني. مخطوط القصة يظهر أن بورخيس أطلق في البداية على هذه النقطة اسم محراب، كي يشير إلى المكان المقدس على شكل كوة في المسجد يكون فيها الإمام، وهو يتجه صوب القِبْلة، في اتجاه مكة (المكرمة). لكن سواء كان الأمر يتعلق بألِف أو بمحراب، فإن هذه الثغرة الكونية التي تطل على الكون كله، وتمنحه، في ومضة، للتأمل، هي التغير الميتافيزيقي للمرآة التي تُوجِّه مُجملَ التخييل البورخيسي. هذه المرآة، أو هذا الموشور لا يعلمنا إلا شيئاً واحداً: الكونُ واحد وكل نقاط الكون تتجه إلى هذه النقطة الواحدة التي تحتوي كل شيء. المَظاهرُ ليست سوى ما تظهر عليه، مظاهِرُ محكومٌ عليها بالزوال لفائدة الأوحد، وهويات مختلف الرّجال الذين مثّلهم بورخيس عبر شخصياته ليست إلا هوية واحدة، هوية المُؤلِّف، el hacedor، الذي هو خالق مَظاهِرِهِ الخاصة.
المُؤلِّف الأخير، الذي كان بورخيس يخشى أن يراه وجهاً لوجه، كما خشي رؤية «الوجه الحقيقي لرؤيته»، تذكاراً لأمر الله لموسى: «لا تستطيع رؤية وجهي، لأن الإنسان لا يمكن أن يراني ويعيش»، هو، ربما، المُؤلِّف الذي نُعتَبَرُ حُلمَهُ. إشارتان متأخرتان كما يجب، بدتا تؤكدان هذا التأويل الثيولوجي. في دراسة له، سنة 1977 عن البوذية، التي تعتبر في نظره «سبيل خلاص»، كتب بورخيس أنه لو كان راهباً بوذياً، كان سيعتقد أن «كل الحياة السابقة لبورخيس لم تكن سوى حلم، وأن كل التاريخ العام لم يكن سوى حلم»، وهو ما يؤدي إلى الإقرار بأن «الأنا لا وجود لها». إن هذا الإلحاح على لا وُجود للأنا، التي لا تعتبر سوى مكوّن من المظاهر، وعلى ما يجب أن نطلق عليه العمى أمام الواحد، تم إبرازُهُ، بشكل خاص، في قصيدة غنائية كُتبت سنة 1966. وقد كُتبت القصيدة بهدف الاحتفال بمرور مائة وخمسين سنة على استقلال الأرجنتين، وبدت بعيدة عن كل اهتمام ميتافيزيقي. ولكن حين يتحدث بورخيس عن الوطن الذي لا ينتمي لأحد، لا لراعي المَرْج، ولا للبطل الذي نُصِب له تمثالٌ، ولا لمؤلف القصيدة الغنائية، ولكن لكُلّ الأرجنتينيين، فإنه يحدد الوطن باعتباره «فعلاً أبدياً» شبيها بـ «كون أبدي». ويضيف هذا القوس الغريب في هذه القصيدة الوطنية:
«(إذا توقف المتفرج الأبدي عن الحلم بنا، لحظةً واحدة، سيصعقنا الوميض الأبيض والمفاجئ لنسيانه)».
كان بورخيس أيضاً طموحاً، ولكن في لغة ميتافيزيقية جداً. اقترح وهو يجد «طريقه الخاص»، كما يكتب في نهاية سيرته الذاتية، رفض «الجمالية السلبية للمرايا» لفائدة «جمالية الموشورات النشيطة».
نفهم، إذاً، السبب الذي جعل بورخيس لا يُضمّن كتابه «محاولة في السيرة الذاتية» في الأعمال الكاملة. إن مثل هذا التضمين كان سيُدخل الهوية العابرة لرجل ما في الهوية الدائمة للإنسان، الهوية الخالية لمُؤلِّف ما في الهوية الحقيقية للمُؤلِّف، الهوية الظاهرة لأعمى في الهوية الأساسية للأعمى. بورخيس وهو يتماهى مع هوميروس يلعب على هذا التعارُض بين التسمية، التي تشهد على وجود الكائن، وبين الغُفلية، التي تتعلق بتفاهة المرور. إنه ليس بعيداً، هنا، من مونتين، الذي برّر مشروعَهُ بهذه المعادلة: «لا أرسم الكائن، ولكنّي أرسُم المرور»، مُلائماً قصته مع «الساعة» الحاضرة. ولكن هذا الإقصاء الظاهر للكائن لفائدة صيرورة يخفي، في الحقيقة، تأكيد الاستحالة، بالنسبة للوجود البشري، للوصول إلى جوهر الأشياء. كما أن مونتين يقترح، رغم كل شيء، أن يُطلع قرّاءه على «وجوده العام» لأن «كل إنسان يحمل الشكل الكامل للشرط البشري».
كان بورخيس أيضاً طموحاً، ولكن في لغة ميتافيزيقية جداً. اقترح وهو يجد «طريقه الخاص»، كما يكتب في نهاية سيرته الذاتية، رفض «الجمالية السلبية للمرايا» لفائدة «جمالية الموشورات النشيطة». وحده الموشور، بوجوهه المتعددة، يمكن أن يفكك ويُكسّر أو يبعثر في إشعاعات لا نهائية الضوء، الذي يظلّ واحداً ومشابهاً. وحده موشور الكتابة، يمكن أن يتطرق لهذا المصير الذي يجعل منا الومضات العابرة للنموذج الأصلي. في إحدى قصائده المتأخرة التي أهداها إلى من قاده، لأول مرة، إلى مكتبة لم يخرج منها أبداً، يتوجه بورخيس إلى أبيه بهذه الكلمات:
«ولكنّ ظلّكّ ربّما لمح
النماذج الأصلية التي كنت تفسرها لي
والتي حلم بها أفلاطون الإغريقي. من يعرف أي صباح، القبرُ هو مفتاحُهُ؟
كيف استطاع بورخيس الخروج من المكتبة، وهي على صورة الألِف، التي هي كرةٌ لا نهائية يوجد مركزُها في كل مكان ومحيط كالدائرة في أي مكان؟ كان يعرف ذلك من مصدر فلسفي وشعري. في سنة 1936 تعرّف في بوينيس إيريس على هنري ميشو Henri Michaux الذي ترجم كتابَهُ «بربري في آسيا» إلى الإسبانية. ولم يستطع أن يتجاهل هذه الحكمة للشاعر الفرنسي الذي كتب في تقديمه:
«لا يزال يُترجم العالَمَ من يريد أن يتخلص منه. من يستطيع الإفلات؟ الوعاء مغلق».
* يلاحظ القارئ أن بورخيس يتحدث باستمرار عن العمى. وسينهي حياته أعمى. (ملاحظة من المترجم)
** سورة ق، الآية 22.

الخميس، 27 فبراير 2014

Title Amrīkā al-Lātīnīyah bi-ʻuyūn Maghribīyah /​ ʻAbd al-Raḥman Bakkār ; tarjamat Muḥammad al-Mazdīwī.



Title
  • Amrīkā al-Lātīnīyah bi-ʻuyūn Maghribīyah /​ ʻAbd al-Raḥman Bakkār ; tarjamat Muḥammad al-Mazdīwī.
  • أمريكا اللاتينية بعيون مغربية /​ عبد الرحمن بكار ؛ ترجمة محمد المزديوي.
Uniform Title
  • L'Amérique latine sous une perspective maghrébine. Arabic
Author
  • Beggar, Abderrahman.
  • بكار، عبد الرحمن.
Other Authors
  • Mazdīwī, Muḥammad.
Published
  • al-Rabāṭ : Marsam, 2010.
  • الرباط : مرسم،, 2010.
Physical Description
  • 166 p. ; 22 cm.
Summary
  • Latin America; description and travel.
Language
  • Arabic
ISBN
  • 9789954211946
Libraries Australia ID
Contributed by
Libraries Australia

الأحد، 9 فبراير 2014

عبد الرحمة بكار: في الأوروغواي




III
              وقائع من الأوروغواي               
  بقلم : ذ .عبد الرحمن بكار
 ترجمة ذ. محمد المزديوي




كانت السفينة تواجه أمواجا مرغية تحاول دفعها نحو الشواطئ الأرجنتينية من حيث أتت. غير متأثرة البتة، كانت تقابل التيار بكتلتها وقوة آلياتها وتواجهه بغضب مزبد. كانت الريح تصفر وتخرج عويلها من حلق كوني يذكر الإنسان بوضعه القزمي في العالم، كانت من نوع بابا غايو(ببغاء)، اسم يطلقه البحارة، خاصة في البحر الكاريبي، على هذه الرياح الخائنة التي  تشرع عندما تلمس الحبال والأشرعة في إطلاق صياح جنائزي ينذر بالعاصفة.
كانت  الباخرة تتقدم نحو شاطئ الأورغواي، بنفس إيقاع ابن بطوطة1 في مضيق جبل طارق، مثله كانت تحمل الهدايا، الأحلام  والحنين. كنا قد غادرنا الأرض اليابسة منذ ساعة. كان الجسر خاليا تقريبا، والمسافرون  القليلون الدين غامرون  بالصعود كانوا ينظرون  إلى المياه وهم يحتسون " الماتي"، نقيع يستهلك بنفس وتيرة الشاي بالنعناع في المغرب، يقدم في كؤوس من الخشب، مع أنبوب معدني، من الفضة في الغالب. شدني مظهر عجوز يبرز جانبه على خلفية ساحرة، تتكون من السماء والماء. كان له وجه قاس وخشن، شارب كثيف وأبيض، عارضان وشعر رمادي متموج تحت طبقة كثيفة من زيت الشعر، تجاعيد كأنها كتابة هيروغليفية بنفس غموض شخصية الرجل السبعيني ذي النظرة التائهة في وحدة الأمكنة  التي جاء منها، هي بلا شك، الأراضي الممتدة للبراري الأرجنتينية. كان طوله مدهشا (1متر و 95 س)، ينتعل حذاء عاليا أسود من الجلد، مهاميز من فضة، سروال أسود كبير وحزام من الجلد مرصع بقطع عملات قديمة، ومحبك من فضة بحجم مدهش،على أحد الجانبين سكين كبير مغمد من نفش المعدن، على الجانب الآخر، سوط بمقبض من فضة، كان قميصه أحمر واسع، بأزرار من نفس وهج المقبض، صدرية من الجلد بلون الكارميل، منديل حول العنق، كانت عنده قبعة سوداء، وحول الكتفين، بنشو مطوي بألوان زاهية. 
كنت على بعد أقل من ثلاثة أمتار، أتردد بين الاختباء وتجنب العاصفة، أو مواصلة تأمل هذا الصنف البشري الذي يوشك على الانقراض، راع حقيقي. كما لو أنه قرأ أفكاري، أطلق دون أن يزيح نظرته عن المياه المضطربة "لا تقلق. ستهب العاصفة بعد ساعة أو ساعتين من وصولنا. جميل ريو دي لابلاتا أليس كذلك؟"  ثم غرق في صمته من جديد. بعد عشر دقائق، قرر أخيرا أن يتجاذب أطراف الحديث. "هذا النهر عنيف، كذلك حكايته. حتى الرجل الذي اكتشفه، رجل اسمه سوليس، افترسه الهنود، هناك في الأوروغواي" أخذ يتحدث عن النهر وأساطيره، عن البواخر التي اختفت دون أن تترك أثرا، عن الساحرات اللواتي كن يتفقن مع الشيطان لكي يجعلن العبور مستحيلا في بعض المواضع، عن أرواح تائهة لهنود وثنيين... كنت أنصت له باهتمام بالغ، كل حكاية تضيف قطعة جديدة لمجموعتي من الأساطير المرتبطة بعالم الأنهار، من الأمازون حتى أصغر رافد.
في جميع الحضارات الماء منبع إعجاب.
 أنا ابن الماء. ولدت على ضفة نهر، وهو يسكنني للأبد، بكل هذه الأشياء المرتبطة به : السمار، الطحالب، الدفلى، العصافير، الشبوط وغناء الغاسلات... أكثر من  كونه مجرى ماء، هو أسطورة. مجموعة من الخرافات تصاحب مجراه الدائم ؛ هناك الصياد كيسا الذي عرف تلك العوالم التحت مائية، بحيرات تمتد على مدى هكتارات، وتصل حتى أسفل المسجد الكبير، وسطها جزر، حيث، دائما حسب الأسطورة، وجد الصياد مأوى وغذاء وحيث رأى ذلك الوحش الذي  لا يخرج من مرقده سوى لكي يبتلع التعيس الذي يقلق مضجعه؛ هناك أيضا حدائق الأعماق حيث تكبر الكروم؛ هناك " عبد النهر " الشهير، أسوء المفترسين، دون أن ننسى الجن  الأشرار الذين يحتلون مداخل مجاري المياه... ما يعتبره البعض تطيرا أو خرافة، هو في الحقيقة، مرتبط   بوجود النهر. الدهشة تسكن مياهه. مقاومة ديكتاتورية  المحسوس هي التي تسكن عيوننا منذ قرون ؛ هي التي تطبع  " الحكاية الطبيعية " لكاتب العصر القديم، بلين PLINE (23ـ 79)، عندما تحدث عن نهر طفولتي، نهر تانازي Tanasi أو نهر أم الربيع. وأنا طفل، كنت مثل جميع أقراني، صانع عمالقة ؛ تحت بصري، كان كل شيء يتحول عملاقا، كان خيالي يستخف بالقياسات، إلى درجة أن الذهاب إلى الحمام يتحول إلى نزهة على رأس العملاق الذي يتحدث عنه بوكماخ في كتابه المدرسي، ("وكان رأسه يشبه قبة حمام")... ولو أنه في عدة أماكن لم يكن عرض الماء يصل أكثر من مترين، لم يكن عندي أدنى شك في أن لمياهها نفس سحر البحار. كان الإعجاب يقتات خاصة بهذه القوة العجيبة التي تسكن المياه، قوة أمواج عنيفة خلال الفيضانات، تحمل كل شيء تجده في طريقها، رجال، بيوت، خيام وحيوانات ؛ هذه الأمواج التي التهمت تحت ناظري، عندما كان عمري سبع سنوات، جارنا المسكين الذي كان يحاول سحب جذع شجرة ليحصل منه على بعض الدراهم. هذه الأمواج التي تعطي للنهر لقبه "أم الأربعين" ("أوم أربعين")، في إشارة إلى عدد الضحايا التي يتطلبها كل سنة ليشبع نهمه.
كان الراعي العجوز يتكلم بصوت منخفض كما لو كان يخشى آذان النهر الكثيرة. كانت تخرج من فمه قطع من الغطاء الذي يجعل من النهر حارس أسرار. أخرجنا المطر، دفعة واحدة، من أحلامنا ودفعنا للاختباء، وسط التدافع، في المطعم... بدأ شاطئ الأورغواي  يرتسم تحت سماء رمادية منخفضة، وعوض أسراب البوم  واللقالق، استقبلنا برق يشق سماء رمادية شبيهة بقطعة جبن كبيرة. كان السفر قد استغرق ثلاث ساعات تقريبا. في ريو دي لابلاتا تصب مياه أكبر أنهار أمريكا الجنوبية، البارانا والأورغواي؛ يمكن أن يصل عرضه 220 كلم.  
هذا البلد الصغير، الأورغواي (176,220كلم2)، حيث يقال إن عدد البقر يتجاوز عدد البشر(3،413،329 نسمة)، قزم بين عملاقين، الأرجنتين والبرازيل، من أكثر البلدان سحرا على  الكرة الأرضية. لم يعرف أقصى جنوب القارة الأمريكية اللاتينية سوى اهتماما متأخرا من طرف الآتين من أوروبا، بدأ الغزو بالكاريبي وأمريكا الوسطى، ثم واصل نحو الجنوب( اكتشف البلد سنة 1516، لكن بناء العاصمة، مونتفيديو، لم ينته إلا سنة 1730). وجود الأوروبيين حصل بشكل متأخر لكن بقسوة وعنف، أبيدت قبائل الشاروا من طرف أناس يحملون دمها، خلاسيين، ثمرة علاقات قسرية، بين الغزاة والأهالي ؛ هؤلاء المستأصلون هم أنفسهم الرعاة، رعاة بقر مرتبطون بالقطيع والمراعي، يذكر غزوهم بغزو الغرب الأمريكي البعيد. مرافقي كان ثمرة لهم، دون أن يكون متورطا في مجازر حصلت منذ  قرون مضت. هذه الهجمة هي أساس نشوء الأوروغواي الحديثة. حفل الدم ـ الذي جعل البلد لا يضم أصليين بين ساكنته ـ تواصل بحلول الديكتاتورية العسكرية (1973- 84).  هذه المرة، لم تكن الضحية تستجيب لمعايير عرقية، بل سياسية. أمام ما يحدث في الأرجنتين، مع حكومة قررت ترك حرية التصرف للقضاء، وحاليا في الشيلي، مع رفع الحصانة عن الديكتاتور السابق أوغوستو بينوشي، ارتفعت الأصوات بحدة من أجل محاسبة المذنبين. كان الأوروغواي من ضمن ما يسميهم إدواردو غاليانو، أحد أبنائه الذين دفعهم العسكريون إلى المنفى، أحد الأصوات المنشقة في القارة، " سوق الفظاعة المشتركة "، في إشارة إلى التعاون بين الديكتاتوريين العسكريين من الأورغواي، الأرجنتين، الشيلي البارغواي والبرازيل. أحد الملفات التي أحيت النقاش على المستوى العالمي، هو ملف الشاعر الأرجنتيني الشهير خوان خلمان، الذي عُذّب ابنه مارسيلو وزوجته الحامل، كلوديا، سنة 1976 من طرف أعضاء المخابرات السرية لبلدهم. حزن الشاعر كان هو القوة التي حفزته للبحث عن ابنته الصغرى. هذا البحث المضني أعطى ثماره أخيرا، واستقبل القرن الواحد والعشرون سيدة شابة عمرها 23 سنة، من قاطني مونتيفيديو، بتصريح مؤثر: كانت سلعة ضمن سلع "سوق الفظاعة المشتركة" التي تحدث عنها إدواردو غاليانو. أبوها، الذي كان عضوا في قوات الأمن بالأورغواي، وتوفى سنة 1996، حصل عليها بفضل التعاون المرعب بين ضفتي ريو دي لابلاتا. الأب الحقيقي كان قد صفي بمجرد إيقافه، الأم "صدرت" والطفلة، أخذت كغنيمة حرب.                                
تغير الأوروغواي كثيرا منذ نهاية الديكتاتورية، والانتقال الديمقراطي يسير بوتيرة مشجعة، رغم الاضطرابات السوسيو اقتصادية التي يعرفها المركوسور(منطقة للتبادل الحر تشمل الأرجنتين، الأوروغواي، الباراغواي و البرازيل). يجري التحديث بخطوات جبارة، يتوفر البلد على بنية تحتية ممتازة (على سبيل المثال، بشبكة تغطي %95 من المنازل، يتوفر  البلد على أكبر تغطية كهربائية في أمريكا اللاتينية). يمكن أن نلاحظ أن  سكان الأروغواي بعيدون عن العصر التي كانت فيه الفلاحة على رأس النشاط الاقتصادي، هذه الأخيرة لا تمثل سوى 6%، الصناعة  % 27 و الخدمات % 67. وبالنسبة لشخص مثلي مقتنع تماما بأن المكان الطبيعي للأطفال هو قاعة الدرس،  اندهشت لنسبة التمدرس %97.5.
     مونتيفييدو عاصمة مزدهرة، تحتل مركزها الأبناك، شركات التأمين، مستشارون...، جيل من الشباب النشطين و المقاولين. السنة الماضيةّ، تشرفت بالتعرف على أحدهم، مدير شركة  متخصصة في تكنولوجيا المعلومات، جاء إلى كندا باحثا عن سوق لمنتجاته. كنت  متأثرا جدا لرؤية كيف أن شركة من الجنوب تحاول أن تشق طريقها في أمريكا الشمالية، في  قطاع من أكثر القطاعات تنافسية. في جميع الأحوال، أثار إعجاب محاوريه وبرهن عن الجودة العالية للبحث و التكوين في بلاده. عندما تحدثت معه عن الأروغواي، فهمت أن المشكل رقم 1 هو البطالة( 19،2 في المائة). العائق الكبير الآخر يكمُنُ في بقاء هذا الطفل على قيد الحياة، هذا القتل للتقدّم dévelopocide، هذا العزيز على قلب الديكتاتورية، انحراف للطبيعة البشرية التي يعتبرها الفيلسوف نيتشه الرسول الذي يعلن نهاية الحضارة والذي يشير إليه بمقولة "وغْد-قراطي"voyoucrate؛ مدفعه خاتَم، قلعته بطاقة، نجمة الشمال ورقة نقدية، هو نوع من الطفيليات التي تفسد المؤسسات والإدارات وتشلّ تطور الأمم. كان على وجه المُقاول الشاب هذا التساؤل الذي يُكزز الإرادات الحسنة: "ما الفائدة؟"...   
أول مدينة قمت بزيارتها  في الأوروغواي كانت مدينة كولونيا، على ضفاف ريو دي لا بلاتا، مدينة أعلنتها اليونسكو تراثا إنسانيا. ممراتها المرصفة، شوارع مدينتها العتيقة، بمنازلها القديمة الواطئة ذات السقف الخشبي وخصوصا منازل باريو دي لوس سيسبيروس، وظاهرة لا تني تجذب انتباه الزائر، سكانّها وهم يتجولون بقوارير حفظ الحرارة، بمشروب "الماتي" (شراب شبيه بالشاي معروف في أمريكا الجنوبية) الذي يتناولونه طول النهار.
في كولونيا، الغروب ساحر؛ تهدهد السماء غفوة المياه، في سرير من ألوان غامضة، وتدعو الناس إلى أخذ قسط من الراحة والتركيز على المهمة الحقيقية للمسافر: السفر من أجل الالتقاء بالذات. في هذه المدينة أعدت ترتيب أفكاري واتخذت قرارات غيرت مجرى حياتي. ولجت النفق، على كرسي، تحت عمود إنارة، وخلال بضع سنوات، بدأت أرى الضوء الذي تسبح فيه أنا برزت من أنقاض حياة مفروضة.                                                                
جاذبية الأوروغواي الشديدة لا تترك مكانا للإحباط. العلاج بالماء قادني إلى المكان المدعو بونتا بالينا، على بعد 128 كلم جنوب مونتيفيدو، ذراع جبل بالينا الذي يخترق البحر ويفصل سواحل مالدونادو وبورتيزويلو. من حسن حظي كان المكان خاليا. جلست في طرف الجبل، يحيطني الماء من كل جانب، انتظر الحيتان. لم يشبع فضولي، لكني قضيت لحظات جيدة، في صمت وصفاء تامين. تحققت رغبتي سنوات من بعد، على الأرض الجديدة، حيث رأيت حيتانا بالعشرات، وبالنظر إلى ذكرى إخفاقي في رؤية حوت واحد في الأورغواي، اكتشفت، بعد طول تفكير، أني بدل أن أرى الحيتان، استطعت أن أتعرف على أصوات وأحاسيس تسكنني كانت مقموعة، أنهارا من الحساسية، وحدها الأماكن المليئة بمثل هذا السحر تستطيع تحريرها.
بونتا أخرى، بونتا ديل إيستي هذه المرة، وضعت حدا لتلك النشوة. على غير عادتي، أخذت حافلة مع فوج سياح، من جنسيات مختلفة ؛ كان هناك صياح من كل جانب، شره التصوير، خيبة أمل الشمال الذي أتى ليأخذ صورا لبؤس الجنوب، شكاوي الذين وجدوا سعر ورق المراحيض مرتفعا في ليما ويتساءلون عن سبب عدم وجود بيتزا دومينو في بوليفيا. أخذت سيدة، ذات قبعة مزينة بفواكه بلاستيكية (كرز وموز ومشمش) تحمل حقيبة، في رمي السكاكر لبعض الأطفال، الذين أجابوا بكيل من الشتائم. غذت مرافقتنا ذهان " الأصلي الخطر"، كانت تعتبرنا قطيعا من الأغبياء، مستعدين للاستسلام لمن يتكفل بهم... عندما وصلنا أخيرا إلى مقصدنا، من أجل القيام بنزهة في المدينة الشاطئية ذات الحمامات، النظيفة والمترفة، مكان لا يقصده سوى الأغنياء، أخذت مرافقتنا، بين كل طبقة أحمر شفاه، تستغرق وقتا كأنه الدهر لتحدثنا عن أكوام الأموال التي تحتويها الجدران: "زجاج هذه النوافذ صنعتها شركة رايْ ـ بان... قرمود هذه الفيلا قطع سيراميك من توقيع الفنان سين... أمضى الرئيس بوش، ذات مرة، ليلة هنا... في الصيف، يوضع المكان تحت حراسة مشددة، حتى تلاميذ أكاديمية الشرطة يأتون لتقديم مساعدتهم...".
في الأخير، سمحت لنا أركيولوجية الحماقة (دليلتنا) بتنشيط أرجلنا لساعتين. كنت خجلا من نفسي وأتحاشى النظر إلى الآخرين. كنت أحس أني أساهم في مسخرة. طفت إحدى الذكريات إلى السطح. لم يكن لمكان ولادتي أية أهمية سياحية، ولم يكن الأجانب يتوقفون هناك إلا من أجل الاستراحة في أحد المقاهي على الطريق التي تؤدي إلى المدرسة، ثم يتابعون السفر نحو الجنوب. ذات يوم، كانت على الشرفة سيدة أوروبية تستمتع برمي السكاكر لنا، ونحن، حوالي ثلاثين تلميذا، كنا نتصارع تحت رنين قهقهاتها والعجرفة الباردة لزوم آلة التصوير، فجأة، أحسست بيد تمسكني من رقبتي وتجرني بعيدا، كان أبي، يستشيط غيظا وخجلا، نلت عقابا لا ينسى، وبعده مكافأة كبيرة من كلمات لا تزال عالقة بذاكرتي، أنت لست قردا، أنت إنسان، لهذا لا تترك أي أحد يجردك من كرامتك.  كنت سعيدا بهؤلاء الأطفال الأوروغوانيين الصغار وهم يصيحون بأنهم ليسوا متسولين، وأحسست برغبة في التقيؤ في قبعة السيدة، لأن كل شيء كان يثير الغثيان: الفواكه البلاستيكية، السكاكر، ابتسامتها البلهاء وعادة  حك السن بظفر الإبهام.
العودة إلى مونتفيديو. استغللت الوقت المتبقي للتجوال وسط المدينة وزيارة المكتبات العتيقة، أفضل الأماكن لعاشق كتب مثلي.