الخميس، 2 مايو 2013

أي "ربيع" عربي، هذا، والجامعة العربية تبيع فلسطين؟! Les Arabes entrain de vendre la Palestine



على خطى "الرئيس" الفلسطيني المهزوم، أبو مازن، الذي ساهم في التمرد على الرئيس الخالد ياسر عرفات (أبو عمار) وعلى خُطى وفده المتفاوض اللئيم، والفاقد لكل حسّ وطني، والذي مثّله أزلام صغار من طينة، قريع أبو العلاء وياسر عبدو ربه وصائب عريقات ومن لفّ لفّهم، والذين باعوا القضية الفلسطينية، على إيقاع رقص وغنج الفاسدة اللعوب تزيفي ليفني، تأتي الجامعة العربية، وتحت قيادة، هذا المصري، الذي تمّ تسويقُهُ على اعتباره وطنيا وملتزما، لتكمل المشوار، وتبيع ما تبقى من فلسطين، بدعوى الواقعية والسلام...
تبّا لكم، جميعا!

لن تنفذوا جريمتكم، فالقدس عصية على جبنكم وخيانتكم ونذالتكم...

عاشت فلسطين حرة، كما صدح صدام يوم اغتياله!  

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

Annie Ernaux آني إيرنو، الكاتبة المتميزة في المشهد الثقافي الفرنسي الحالي!

 
أني إيرنو تصنع الحدث الثقافي الفرنسي وتكسر الرتابة
كاتبة التفاصيل الصغيرة والعارية
باريس: محمد المزديوي 




















قلّما يجمع المشهد الثقافي الفرنسي على امتداح أديب كما يفعل هذه الأيام مع الروائية الفرنسية آني إيرنو. ربما الوحيد الذي يجاورها في الأمر هو باتريك موديانو، الذي لا يتوقف عن قصّ حكاية باريس، وكأنها سكنته إلى الأبد.
في جعبة إيرنو روايات أو كتابات سردية عديدة، وكلها تنبش في التفاصيل الحياتية وتتخذ منها مادة دسمة وبالغة الحنان والانفعالات. فبعد أن كتبت، عن وفاة والدها في نص سردي بالغ السلاسة ويتدفق إنسانية وهو «المكان»، عاودت من جديد الحديث، ولكن عن والدتها، في كتاب «امرأة». حيث تكتبُ:«أحاول ألا أعتبر العنف وتفجرات أمي فقط باعتبارها ملامح شخصية من الطباع، ولكن أحاول أن أضعها في تاريخها وفي شرطها الاجتماعي. هذه الطريقة في الكتابة، التي يبدو لي أنها تسير في اتجاه الحقيقة، تساعدني على الخروج من العزلة وظلام التذكار الفردي، من خلال اكتشاف دلالةٍ أكثرَ كرَما. ولكني أحسّ بأن شيئاً مَا في داخلي يقاوم ويريد أن يحتفظ من أمي بِصُور بالغة العاطفة والتأثير، لا غير، أي الحرارة أو الدموع، من دُون منحها معنىً».
وُلدت آني إيرنو سنة 1940، ومارست التدريس إلى أن تقاعدت. في سنة 1984 حصلت على جائزة رونودو عن كتابها ذي الطابع الاوتوبيوغرافي، «المكان».
تستغرق المؤلفة كثيرا في تفاصيلها (الحقيقية والواقعية) وتعيد تشكيلها إبداعياً فتمنحنا مجموع ما تكتبه. أي يصبح كل ما تعايشه مادة مستقبلية للكتابة. «المكان» و«العار» عن والديها و«ما يقولون، أو لا شيء» عن مراهقتها، «المرأة المجمَّدة» عن زواجها، و«الحدث» عن إجهاضها، وأمّا عن مرض الزهايمر الذي أصاب أمها فكرّست له «لم أخرج من ليلتي»، وفي «امرأة» عن وفاة أمها، وفي كتابها «استخدام الصورة» عن إصابتها، هي، بالسرطان، وقد كتبته مع صديقها مارك ماري، كما أنها كتبت، بالتعاون مع فرديريك ـ إيف جانيت «الكتابة كسكّين». ولأنّ كل شيء ينطلق من الاوتوبيوغرافيا، فلا يمكن إغفال كتابها المثير L’occupation وهو نصّ تتحدث فيه (آني إيرنو/الساردة) عن انتهاء قصة حبّ جارفة مع عشيقها الروسي، قصة حب دامت ست سنوات. (الساردة توقف علاقتها مع عشيقها بعد ست سنوات، ولكن حين يصارحها العشيق برغبته في العيش مع سيدة أخرى، ينتاب الساردة شعور لا يصدق من الألم والمعاناة والغيرة والهوس الرهيب بهذه السيدة التي أخذت مكانها مع العشيق).
كل شيء عند آني إيرنو بالغ الصدق، وبالغ المعاناة. فلا يحس القارئ بأي خداع ولا غش.
هذه الكاتبة التي لا تعنيها المواضيع والانشغالات الكبرى كالنسوانية:«توجد مواقف، تتطلب مني، كامرأة، أن أدافع عن نفسي. في كتابي «الحدث» أردت أن أقول بأنه يوجد شيء لا ينتمي سوى للنساء، وهو قضية نسائية، وهو حدث كلي اخترقه التاريخ والسوسيولوجيا والميتافيزيقيا وعلم النفس إلخ، وهو ما يورّط الكائن البشري كله، إنه أبعد من ما هو جنسي. يتعلق الأمر في الكتابة بأن نصل إلى شيءٍ مَا لا مادي، وبأن نجعل من هذا الحدث حدث كتابة».
تخلت إيرنو عن كتابة الرواية، منذ روايتها «المكان»، وتبرر الأمر بأنها لم تعد قادرة. «أعتقد أني لن أكتب أي رواية. مادّتي هي تقاطُع التجربة التاريخية والفردية، ومن أجل هذا لست في حاجة إلى التخييل» هل تكتب إيرنو «التخييل الذاتي»؟ تجيب بأنها «معجبة بأعمال «سيرج دوبروفسكي» الذي اخترع هذا المصطلح. ولكنّ ما يضايقني هو كلمة «أوتو» (ذاتي)، إذْ إنه يوجد لديّ انطباع بأن كتبي مرتكزةٌ عليّ. أنطلق من ذاتي ولكني لستُ في بحثٍ عن الهوية».
تعود إيرنو، هذه الأيام، إلى صنع الحدث الثقافي. وبالفعل يبدو كتابها الجديد «السنوات» (الصادر كبقية كتبها عن دار غاليمار) مكسرا للرتابة التي ولجت فيها الثقافة الفرنسية مع قصتي كارلا بروني وسيسيليا ساركوزي، حيث كُرّس لكل واحدة منهما ثلاثة كتب على الأقل، وأصبح مؤلفو هذه الكتب يحتكرون البرامج الثقافية، وكأنما يصنعون الأدب.
كتاب آني إيرنو الجديد يَعْبر مسيرة ستين عاما من عمر الكاتبة. حصيلة حياة. اشتغلت فيه على توليفة ما بين الذكريات الشخصية والصُوَر واليوميات والإشارات التاريخية. كتاب لا يخلو من نبرات حزينة، خصوصا أنها تعاني من مرض السرطان الذي كرست له كتابها السابق (استخدام الصورة/2005). ومع دخول الكاتبة في مرحلة علاج مكثف، يبدو وكأن الكتاب وصيتها الأخيرة.
ترددت كثيرا في اختيار العنوان. وكانت تراودها عناوين مختلفة من بينها «أيام العالم» و«ضوء الآحاد» و«ضوء السنوات»، وأخيرا قر عزمها على «السنوات». وفي هذا الكتاب، الذي يرى فيه ناقد لوموند الأدبي، «رواية كليّة»، حيث «جمَّعَت فيه الكاتبة بطريقة بارعة، كلّ ذكرياتها» تصر إيرنو على أنه لا علاقة لها بالتخييل الذاتي:«استخدام الأنا هو العلامة على الاوتوبيوغرافيا، لكنه أيضا وسيلة لقول العالم الذي يحيط من حولنا. شرط ألا يتعلق الأمر باوتوبيوغرافيات مرتكزة، بغباء، على الذات، بطبيعة الحال». وتواصل قائلة: «أنا بفضل الصُوَر التي أتاحت لي أن أتوقف عند الذاكرة. أفضل استخدام يومياتي وملاحظاتي وذكرياتي. كل هذه الكتابات المختلفة أتاحت لي أن أتحدث، في آن واحد، عن التاريخي والحميمي وعن تغيُّر أشياء الحياة والذاكرة. إنه كتاب عن الزمن والذاكرة». «لا تهمني كلمة «تخييل» ولا كلمة «ذاتي». أفضل في نهاية الأمر، أن أحافظ على كلمة اوتوبيوغرافيا «على الرغم من أنه لديّ صعوبة في استخدامها».
القارئ الفرنسي الذي يقرأ ويسمع حتما، ما قالته سيسيليا عن زوجها ساركوزي (هو شغل الناس الشاغل) بلغة عارية، لا مواربة فيها، سيقرأ، مع كتاب آني إيرنو، لغة عارية، بلا مواربة، أيضا، لكنه هذه المرة سيكون في صميم الكتابة الإبداعية والأدبية، وليس في جحيم السياسة ومداهناتها المكيافيلية.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

حضور الفيلسوف جيل دولوز GILLES DELEUZE


كتبه تعاد طباعتها والحوار معه مستمر
جيل دولوز يعود إلى الواجهة في فرنسا وكأنه ما يزال حيا
باريس: محمد المزديوي
ليس فقط لأنّ «كونزابورو أُوي» الروائي الياباني الحائز جائزة نوبل، قال إن «كتاب دولوز عن سبينوزا، هو الوحيد الذي ساعدني على الولوج إلى عالم هذا الفيلسوف الكبير»، وليس فقط لأنه مرت عشر سنوات على رحيله المفاجئ، إثر انتحاره (بعد معاناة شديدة مع جهازه التنفسي)، عاد الاهتمام إلى دولوز وأعماله. فالحقيقة تقول إن هذا المفكر لم يتوقف عن إثارة الجدل، والولوج في معظم النقاشات الفكرية والمجتمعية الفرنسية.

جيل دولوز هذا الفيلسوف الذي كان لا يتخوف من إبداء رأي، حتى لو كان جارحا، في أية قضية، يعرف عنه عداؤه الشديد لوسائل الإعلام، ومن هنا رفضه القوي لإعطاء حوارات أو لقاءات صحافية، شأنه شأن عالم الاجتماع بيير بورديو أو الفيلسوف الشهير ديريدا.
دولوز الذي كان يرى بأن وظيفة الفلسفة هي «خلق مفاهيم، وليس خلق أفكار»، أو تغيير العالَم، كما يروق للكثيرين، عُرِفَ عنه بقوة، انفتاحه الكبير على مواضيع خارج الفلسفة، إذ أنه اشتغل على بروست وبيكيت وكافكا، واهتم بالسياسة وخصوصا بالفلسطينيين (حوار أجراه معه المؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر/صحيفة ليبراسيون الفرنسية: «هنود فلسطين الحمر»)، وعني بالسينما والفوتوغرافيا والموسيقى وعرفات (عظمة عرفات).
الذكرى العاشرة لرحيله حملت معها الكثير من الإصدارات التي تُولي، أو تحاول أن تولي، الرجُلَ المكانةَ التي يستحقها في وقت خلت فيه الساحة الفكرية من فلاسفة كبار من طرازه، بعد رحيل ديريدا وبول ريكور، وبعد أن سيطر على الوسط الفكري والإعلامي ما يسمى بالفلاسفة الجدد الذين كان يحتقرهم الراحل، ومن بينهم برنارد هنري ليفي أو فينكلكروت ومن لفَّ لفهما.
بين أهم الكتب التي ظهرت أخيرا بهذه المناسبة، يقفز إلى الواجهة عنوانان بارزان: «دولوز والفنّ» Deuleuze et l’art للباحثة آن سوفانيارغس Anne Sauvagnargues. تقوم فيه الباحثة بتحليل ما كتبه دولوز عن الأدب (بروست، كافكا، ميلفيل وبيكيت)، وعن الفن التشكيلي(فرنسيس بايكون) وعن السينما، وتنتهي بأن تعيد تشكيل مجموع «النَّسَقَ» الدولوزي، بصرامة. المُؤَلَّفُ سيكون مرجعا ضروريا للباحثين حول نصوص دولوز، إذ أن الفن يحتل مكانة مهمة في تفكيره. من الأدب إلى السينما، ومن الحرف إلى الصورة، يُنظِّر دولوز في ميدان الفن بالاستعانة بمصطلحات جديدة جدا، وصعبة وجذابة: جسد من دون أعضاء، آلات الرغبة، صيرورة ـ حيوان، ريزوم، خطوط الهرب، إلخ من المصطلحات الدولوزية... يتعلق الأمرُ بعرض الاشتغال الدقيق، من خلال إبراز كيف يصبح الفن، في نظر دولوز، آلة لارتياد مصائر المجتمعات: في «نقد وعيادة» يكتشف القوى الاجتماعية ويجعلها محسوسة. ولكن الفنّ ينتج بشكل خاص، تأثيرات حقيقية، وليس فقط مُتخَيَّلَة، وإذنْ فإن الصورة ليست معطى ذهنيا ولكن واقعا موجودا. هذا المُؤَلَّف يقترح تسهيل الوصول إلى الأعمال الحاسمة لدولوز، من خلال إعادة مساراتها، انطلاقا من هاجس أقصى درجات الوضوح.
الكتاب الثاني الهام هو «دولوز بأصوات متعددة، مقاربات وبورتريهات» Deleuze épars, approches et portraits عبارة عن مقالات قام بتجميعها «أندري بيرنولد» André Bernold و«ريشارد بينهاس» Richard Pinhas وصدرت عن دار النشر «هيرمان» في أكتوبر 2005. الكتاب يحوي مقالات متعددة، ونقرأ فيه وجهات مختلفة، بسبب تعددية اختصاصات المشاركين في هذا الكتاب/التكريم. من البداية، يجب أن نعترف بأن كل المشاركين لهم تقدير ومحبة كبيرة تجاه الرَّاحل. ومن هنا لا يجب أن ننتظر انتقادات، أيّا كان نوعُها. المشرفان على تجميع المقالات، كانا من طلبة الفيلسوف ومن مرافقيه الأوفياء. ويكفي أن نرى صورة واحدة لدولوز وهو يلقي محاضراته في «جامعة فانسين» حتى نلمَحَ الرَّجًُلَين، وهما يصغيان لحديث دولوز باهتمام كبير.
شارك في الكتاب المفكر الفرنسي، جون ـ ليك نانسي بمقالة هامة عن «الاختلاف المتوازي ما بين دولوز وديريدا» والمفكر، جون بيير فاي بمقالة عن «دولوز ظَهرا لِظَهر وفي الواجهة» في حين يكتب الباحث روجي ـ بول دروا عن «صُوَر ـ دولوز»، أما روني شيرير فيتطرق لـ«تصوف دولوز غير المؤمن»، ونقرأ مع جانيت كولومبيل عن «دولوز ـ سارتر: آثار»، ونقرأ في المقال نصا نادرا لدولوز عن الفيلسوف الراحل جون بول سارتر، وكذلك مقالا طريفا من توقيع أرنولد فيلاني بعنوان «كي يمكن للمرء أن يكون دولوزيا؟»... ثمة مقالات أخرى حميمة عن الراحل، يكتشف القارئ من خلالها جوانب غير معروفة من حياة المفكر. كما أن الكتاب يتضمن صورا نادرة للمفكر، بالإضافة إلى صور من مخطوط كتابه الشهير «نظرية التعدديات لدى برغسون».
كثيرٌ من الكتب الأخرى ظهرت أو أٌعيدَ إصدارها، ومن بينها «ما الفلسفة؟» لديل دولوز وفييكس غاتاريGuattari، وأيضا كتاب «فلسفة جيل دولوز«لـجون ـ كليت مارتين Jean-Clet Martin، الذي أعيد طبعه بالإضافة إلى العدد الممتاز من مجلة «لارك»، وأيضا الكتاب الذي صَدَر حديثا عن دار «لارماتون»: «جيل دولوز، اختبار الزمن» لـيان لابورت Yann Laporte أو كتاب «الصحراء أو استيتيقا جيل دولوز» لميراي بويدينس Mireille Buydens الذي سيصدُرُ قريبا جدا عن دار النشر «فرين».
لم ينس الباحثون والمهتمون جيل دولوز، ولم ينتظروا هذه الذكرى العاشرة كي يعودوا إليه من جديد، لكن المناسبة هي لتذكير الجمهور العريض بقامة كبيرة من وزنه، ولإعادة طبع كتبه القيمة، ومواصلة الحوار معها، خصوصا أنه من بين الفلاسفة الفرنسيين الأكثر شهرة في العالم إلى جانب ديريدا وفوكو وريكور.
جيل دولوز، مفكر يحتاجه بالفعل الواقعُ الصعبُ الرّاهن، السياسي والمجتمعي المُعَوْلَم، في وقت خَفَتَ فيه دورُ المثقفين في الساحة، إن لم يكن قد تلاشى نهائيا. كما أننا، نحن كعرب، افتقدنا فيه واحداً من ألمع المفكرين المتضامين مع قضايانا العادلة، وأصبحنا بالفعل من بين أيتامه.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

الخميس، 6 ديسمبر 2012

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

TADDIE تاديي وبرنامج اللانمطي... وحيد ضد موجة فاسدة

برنامج تلفزيوني فرنسي حر ومثير للجدل ضيوفه مشاكسون ومهمشون
الإعلامي فريديريك تاديي يشكل قطيعة مع ثقافة الرأي الواحد










النجم الإعلامي الفرنسي الصاعد فريديريك تاديي
باريس: محمد المزديوي
برنامج ثقافي خارج عن مألوف التلفزيونات الفرنسية، ضيوفه مشاكسون، مشاغبون وممنوعون من الظهور على الشاشات، ومحجوبة آراؤهم بالتواطؤ الضمني. انهم الآن ضيوف البرنامج الجديد الذي يعده ويقدمه فريديريك تاديي، ويمثل متنفساً للراغبين برؤية المختلف والمهمش.
أي شيء أكثر إثارة ومتعة من رؤية الناشطة الفرنسية من أصول جزائرية حورية بوتلجة Houria Bouteld- وهي الناطقة الرسمية لحركة «أندجين الجمهورية»- تقارع الكاتب ألان فينكلكروت، غير ما مرة، أو تنتقد صمت السوسيولوجي واليساري الفرنسي السابق ألان تورينAlain Touraine على انبطاح المثقفين الفرنسيين أمام ساركوزي وأفكاره اليمينية... متعة كبيرة في الاستماع إليها، وهي تدافع عن أفكارها بقناعة وجدية كبيرتين. هذه الشابة المنحدرة من الهجرة دليل على أن ثمة نساء يختلفن عن أخريات ارتضين أن يمثلن دور الكورس لدى الحكومات الفرنسية المتعاقبة (من قبيل رشيدة داتي أو فضيلة عمارة أو غيرهما).
فرصة رؤية حورية بوتلجة، كانت بفضل برنامج Ce soir ou jamais (يقدم خمسة أيام في الأسبوع) الذي يعده فريديريك تاديي الذي حصل مؤخرا على جائزة فيليب كالوني 2007 PHILIPPE CALONI المكرسة للموهبة ولحيوية الصحافي في ممارسة الحوار. اختار كالوني أن ينفتح على الكثير من الذين لا صوت لهم في المشهد الإعلامي الفرنسي. ومن الجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي تدعى فيها بوتلجة لهذا البرنامج الجاد. وعلى الرغم من الفترة المتأخرة التي يُبثُّ فيها هذا البرنامج الثقافي، أي نحو الحادية عشرة ليلا، فإن برنامج (Ce soir ou jamais) الذي تبثه القناة الثالثة الفرنسية، يشكل استثناء كبيرا في المشهد الثقافي البصري في فرنسا.
ليس معناه أنه البرنامج الوحيد، لكن البرامج الثقافية الأخرى، لا تولي كثير أهمية للاختلافات، ولما يثير الصخب والجدل ولا لشيء مختلف. صحيح أن ثمة برامج في إذاعة فرانس كولتور (فينكلكروت وألكسندر أدلير وغيرهما...)، وبرامج تلفزيونية في القنوات الأولى والثانية والثالثة أيضا، لكنها تتسم بالرّتابة وبكثير من التصنع، إن لم يكن دفاعا عن الأدب الرسمي.
تاديي، المتهم، بإعجابه بالكاتب الفرنسي الراحل جون إيدرن هاليي Jean-Edern Hallier ، أحد مؤسسي مجلة «تيل كيل»، مع فيليب سوليرز، الذي كان الرئيس ميتران يعتبره من أهم كتاب فرنسا في القرن العشرين، لا يحيط نفسه، بكثير من النقاد الأدبيين (خصوصا من مسؤولي الصفحات الثقافية)، والمتخصصين الذي يعرفون الإدلاء بآرائهم في كل المواضيع، حتى في مسألة الشوارب، كما يقول أحدهم، على غرار العديدين من معدي البرامج الثقافية.
الكثير من الذين حضروا برنامج تاديي أحسّوا بالارتياح لكونه، يتمتع بخصلة الإنصات، ويسمح لهم بالإجابة عن أسئلته، في حين لا يمنح الآخرون من مُعدّي البرامج الثقافية، الوقت الكافي لضيوفهم، ويمقتون لحظات الصمت التي تخترق الإجابات. وهو ما جعل الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك ديريدا وبيير بورديو، على سبيل المثال، يرفضان حضور الكثير من البرامج التلفزيونية. ابتدأ عشق تاديي لهذه المهنة من خلال الاستماع للبرنامج الشهير «راديوسكوبي» لجاك شانسيل، ثم اشتغل في كثير من البرامج الثقافية والمنوعات، لكن أحلامه كانت منصبة على اليوم الذي يستطيع فيه أن يكون سيد برنامجه.
البعض من الذين يستولون على البرامج الثقافية يلومونه لأنه يستقبل شخصيات (مارقة) ومثيرة للجدل، من قبيل المحامي الكبير جاك فيرجيس reçoit Jacques Vergés والكوميدي الساخر ديودوني Dieudonné (الذي كان في وقت ما نجم الصحافة الصهيونية الفرنسية وفنانها الأكبر حين كان يعادي اليمين الفرنسي، وأصبح شخصا غير مرغوب فيه حين تجرأ على انتقاد اللوبي الصهيوني وعلى استعراض معاناة الفلسطينيين). وتاديي منتقد أيضاً، لأنه يستقبل أمثال الكاتب الفرنسي الذي حُرِم من وسائل الإعلام الفرنسية العامة لمدة تُقارب العشرين سنة مارك - إدوارد ناب Marc-Edouard Nabe، بسبب أن كتاباته اعتبرت معادية للسامية.
المراقب العربي أو غير الأوروبي، حين يرى، أحيانا، الخطابات التي يتم إنتاجها عن العالم العربي، في برامج إذاعية أو تلفزيونية، يمكن أن يحسّ بالصدمة، بالفعل، لأنه يبدو وكأن الفكر والواقع الفرنسيين لم يتغيرا، خصوصا حين يتم تجميع كتاب ومفكرين، كلهم، ويا للصدفة! متخصصون في الشؤون العربية والإيرانية وفي شؤون الإسلام، يذهبون في نفس الاتجاه فينهالون انتقادا على الفلسطينيين لأنهم لم يمدوا يدهم لتلقف حسن النوايا الإسرائيلية، أو انتقادا للخطر الإيراني، الذي لا تمثل أمامه إسرائيل النووية، أي شيء. يبدو الأمر، في هذه البرامج، التي تدعي الجدية، وكأنها تصديق من كل ضيف لآراء الآخر. في برنامج فريديرك يمكن للمشاهد أن يرى اختلافا في الآراء، أو هذا النشاز الذي قلّما نراه، حاليا، في الغرب. المتعة كبيرة، وروح المفارقة أيضا، ونحن نرى رولاند دوما Roland Dumas وزير الخارجية الفرنسي الأسبق، وهو ينتقد اللوبي اليهودي، أو يعبر عن رفضه أن يحدّد الغربُ من يحاوره من العالم الإسلامي، منددا بمحاصرة إيران ونسيان الخطر الإسرائيلي. في برنامج تاديي، المشاهد على يقين أنه على موعد مع آراء متضاربة ومتناقضة، وأن الانسجام و«الهارمونيا» التي تعبر عنها برامج أخرى، حتى من التي يدعى إليها عرب ومسلمون، يكون دورهم في التعبير عن الدعم والإسناد لرؤية استشراقية أو غربية منحازة، تحل محلها مقارعة الحجة بالحجة، وفي المحصلة النهائية، نخرج برغبة في مواصلة التفكير في الموضوع، وفي هذا تنشيط للحس النقدي للمشاهد، بدل اليقينات التافهة.
الكثير من الذين تجاهلهم الإعلام «الرسمي» باتت لهم فرصة للظهور والدفاع عن آرائهم وقياس مفعول أفكارهم. كانت ثمّة فرصة لمشاهدة ألان سورالAlain Soral، الذي يعتبر نفسه مناضلا شيوعيا انضمّ لحزب الجبهة الوطنية مع الناخبين الشيوعيين الذين أصبحوا يمينيين مؤخرا، وهو يعبّر عن سخطه من سيطرة فكر رسمي، جدير بجمهورية موز حقيقية... ويبدو أن تاديي لا يترك الآخرين لا مبالين، ومن هنا أصالته، إذْ حاولت صحيفة لوموند رسم بورتريه لفريديرك تاديي نقرأ فيه، وكأننا أمام محكمة تفتيش (توابل ضرورية لتحطيم الرجل)، أن تاديي «ليبرالي وفوضي ويُسراوي من اليمين ومفكّر حر». يستعرض المقال بدايات تفتح تاديي على عالم الكتابة التي كانت مع صحيفة الأبله الدولي Idiot International الفرنسية حيث ارتبط، بفضلها، بعلاقات مع كل من مارك - إدوارد ناب (نعرف أنه عرّاب ابنه) وألان سورال. ولا يتورع المقال/ البورتريه عن لوم فريديريك تاديي، لأنه دعا إلى برنامجه، طارق رمضان وديودوني وألان دي بونواست Alain de Benoist (منشط حركة «اليمين الجديد») وغيرهم... البرنامج لا يزال مستمرا، وعدد الذين يسهرون الليل في تزايد مستمر، كما أن من يستولي عليه النوم، أمام شاشته الصغيرة يمكن له أن يستعيد البرنامج على الإنترنت. رغم المناخ السائد من سيطرة الثقافة الساركوزية فإن كُوّات صغيرة لا تني تمنح، من يرى بأنه غير مُمَثَّل في المشهد الإعلامي والثقافي والفكري الفرنسي، شيئا من الأمل... طلبت «الشرق الأوسط» من كتاب عرب رأيهم في هذا البرنامج: الروائي السوري خليل النعيمي قال بأن «البرنامج ضروري لمنح الكلام للذين يحلمون، في الحضور في البرامج الفكرية والثقافية الأخرى التي تزخر بها القنوات التلفزيونية في فرنسا». وأضاف بأنه على الرغم من وجود هذا البرنامج الجاد، فإنه لا بدّ من «ظهور برامج أخرى تعبر عن التعددية الثقافية الحقيقية في هذا البلد».
قدور زويلاي، السوسيولوجي الجزائري أكّد أن هذا البرامج يصالحنا مع القطاع السمعي البصري في فرنسا: «لا تنس أننا ندفع له ضريبة كل سنة تقارب 120 يورو، وأحيانا ونحن نرى الرداءة أو زحف البرامج المتصهينة أو التحقيرية للعربي، التي تداعب ما تبقى من أفكار كولونيالية في المخيال الغربي، نحس بالغضب من دفع هذه الضريبة». أما محمد باديش الباحث المغربي، فيرى «أنها قطرةُ ماء في بحر الإعلام التضليلي في فرنسا. إننا أمام ما نشهده هذه الأيام من بسط ساركوزي وأوساطه من كبار رجال الأعمال والمال لأيديهم على الإعلام، ليس لنا سوى أن نضع أيدينا على قلوبنا خوفا على هذا البرنامج، الذي يتعرض لكثير من الهجمات (البعض نَعوه قبل الأوان، أو حذّروا من عدم انضباطية المُقدّم)، وأن نشدد على وجوب وجود برامج من هذا النوع في المشهد الثقافي والفكري الفرنسي». أما الباحث والروائي المغربي أحمد المديني فقد رأى «أن البرنامج، دليل على حيوية الحركة الثقافية في فرنسا، وعلى أن أصواتاً لا تزال تؤمن بالرأي والرأي الآخر».
عن الشرق الأوسط