الأحد، 16 يونيو 2013

رقابة فرنسية على "سيلين"، أو حين يتنكر البلد لِمبدعيه!

شرطة الثقافة في فرنسا تحرم فرنسا الأدبية من الاحتفال بكاتبها الأعظم فرديناند سيلين
الرقابة هي فرنسية، أيضا



باريس. محمد المزديوي
23 يناير 2011
مرة أخرى يواصل الصهاينة الفرنسيون، أوصياء الثقافة، مُطارَدة الأدب الفرنسي، بدعوى معاداة السامية. وليس الأمر مسألة فردية، بل أصبح مناخا عاما. فبعد كتاب "بادية فرنسا"، للفرنسي رونو كامو، الذي اتهم فيه الصهاينة، قبل سنوات، بالاستيلاء على الإعلام الفرنسي، فتم منع كتابه، ولم يُطلق سراح الكتاب حتى صبغت باللون الأبيض الفقرات التي يتناول فيها هيمنة الصهاينة على الإعلام والميديا والثقافة. وأسلم رونو كامو نفسه للنوم حتى استيقظ، بعد غسيل دماغ (شارك فيه كتاب صهاينة من بينهم ألان فينكلكروت)، ولم يَعُد يرى أمامه من عدوّ سوى الإسلام والتطرف الإسلامي. إذنْ فالأمر ليس حدثا فرديا، بل إن الكثير من الأصوات يتم تكميمها ومطاردتها، كما أن النصوص والأصوات التي تريد أن تنتقد الهيمنة الصهيونية على الإعلام والميديا، تتعرض للمنع والتهديد. ولعل مثال العجوز هيسيل(الذي يتجاوز التسعين سنة)، الذي يُحارَب ويطارد وتمنع الندوات التي يشارك فيها، على الرغم من كونه يهوديا، بل وهو من المُرحَّلين من ضحايا النازية، دليل على أن الصهاينة قادرون على محاربة أبناء جلدتهم إن كان عندهم رأي يخالف الإجماع الصهيوني.
آخر مثال لضحايا الصهيونية الثقافية في فرنسا، هو الكاتب الفرنسي الكبير فرديناند سيلين، صاحب رواية "سفر في آخر الليل"، التي صدر سنة 1932 والتي تعتبر إلى جانب "البحث عن الزمن الضائع" لبروست، أهم روايتين فرنسيتين في القرن العشرين، وبالتالي فالروائي سيلين (وهم اسم جدته) وبروست يعتبران أهم روائيي فرنسا في القرن الماضي والأكثر ترجمة في اللغات الأجنبية.      
وكان سيلين قد رحل عن عالمنا يوم 11 يوليو سنة 1961، أي قبل خمسين سنة تقريبا. وهو ما جعل اسمه يدخل ضمن قائمة كتاب عديدين تحتفل بهم فرنسا، ووزارة الثقافة الفرنسية، هذه السنة، ولكن الدوائر الصهيونية كانت بالمرصاد، فدفعت بعض أوصياء الثقافة ومن بينهم المحامي اليهودي الفرنسي سيرج كلارسفيلد، رئيس جمعية أبناء وبنات المرحلين اليهود، إلى التدخل وممارسة الابتزاز والتهديد ضد الساسة الفرنسيين، ومن بينهم وزير الثقافة الفرنسي الحالي، فريديريك متران ( الذي يعتبر غير كبير أهمية إذا ما قورن بالروائي أندري مالرو، وزير ثقافة الجنرال شارل دو دوغول، أو جاك لانغ وزير الثقافة في عهد فرانسوا ميتران)، ابن أخ رئيس الجمهورية السابق، ومسؤولين آخرين في الجمهورية، من أجل سحب اسم سيلين من قائمة المحتفى بهم. وكان لهم ما أرادوا. وها هو اسم سيلين، صاحب "سفر في آخر الليل" وأكثر الكتاب الفرنسيين، احتفاء باللغة والأسلوب الفرنسيين، غريبا في وطنه.  
وإذا كانت شبهات معاداة السامية ظاهرة في بعض كتب سيلين، فهي موجودة في كتب نظرية، وليست في رواياته التي تعتبر احتفالا بالكتابة والأسلوب. وهذه الفكرة دافع عنها العديد من الكتاب الفرنسيين، الذين رأوا في انهيار وزير الثقافة أمام ضغوط الطائفة اليهودية، انهيارا للعلمانية الفرنسية، وتدخلا للدين في مجال الثقافة والأدب. وهو ما ليس بالأمر المقبول. ولو كان الأمر يخصّ الثقافة الإسلامية لكان الأمر غير ذلك. ويكفي أن المثقفين الفرنسيين ورئيس الجمهورية ساركوزي تداعوا جميعا للدفاع عن حق رسامي الكاريكاتير في تصوير نبينا الأعظم (ص)، دون مراعاة لشعور المسلمين.
الروائي بيير أسولين، وهو كاتب من أصول يهودية، ندد بمنع سيلين، واعتبر أن الأمر غباء كبير. ومن جهته أكد الفنان المسرحي فابريس لوشيني (الذي قرأ خلال سنة مقاطع من فصول سفر في آخر الليل لسيلين في أحد المسارح الباريسية بنجاح منقطع النظير) امتعاضه من منع الاحتفال ب الكاتب الفرنسي الكبير، وعبر، في سخرية ظاهرة، عن مخاوفه من منع رواية "سفر في آخر الليل"... ونبّه إلى حقيقة يتناساها الرقيب الغربي، وهي ضرورة الفصل بين حياة الكاتب ومؤلفاته، احتراما للأدب والثقافة.
قد يكون سيلين معاد لليهود، وقد كانه بالفعل، ولكنه، مع ذلك، وفوق ذلك، من أهم روائيي فرنسا والعالم...
حتى لا يقول قائل: الرقابة فقط موجودة في بلاد العرب!

الثلاثاء، 28 مايو 2013

رواية "الأمير الصغير" في صحيفة "عُمان" العُمانية

تخفيض حجم الخطزيادة حجم الخط

بعد مرور 70 عاما على نشره لأول مرة - «الأمير الصغير» يحقق نسبة مبيعات تجاوزت 134 مليون نسخة

Thu, 02 مايو 2013
سبعون عاماً مرت على نشر كتاب "الأمير الصغير" رائعة الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيرى (1900-1944)، ومثل الكتاب حين نشر لأول مرة عام 1943 ثورة من حيث فكرته وبراعة أسلوبه، الذي جاء على شكل حكم إنسانية عميقة المعنى. يحكي الكتاب قصة طيار سقطت طائرته في الصحراء الأفريقية، هو الذى أجبر على تعلم هذه المهنة بعد تركه الرسم الذى برع فيه في صغره، لكنه تركه حين لم يفهمه "الكبار": كان قد رسم أفعى تبلع فيلاً، لكن جميع من رآه وجد فيه رسماً لقبعة!
وفي مكان سقوط طائرته تقابل هذا الطيار مع الأمير الصغير القادم من كوكب آخر، وطلب منه أن يرسم له خروفاً فلا يعرف حتى رسم في نهاية الأمر صندوقاً مغلقاً، وأقنع الأمير الصغير بأن الخروف داخله، ويتوالى السرد وتتابع، بشكل مؤثر وممتع، الصور الرمزية الوجودية في قصة هذا الأمير، الذي أحب زهرة وأخلص لها، والمتجول بين الكوكب ليكتشف معنى الحياة. النسخة الإنجليزية الأولى من الكتاب نشرتها "رينال وهيتشكوك"، وهي محفوظة بمكتبة "بيربونت مورجان" في نيويورك، وكان دو سانت إكزوبيري قد ضمن نصه رسومات أنجزها بنفسه تعبر عن مضمون القصة.
الكتاب تجاوزت مبيعاته 134 مليون نسخة، وترجم إلى أكثر من 220 لغة منها اللغة العربية، التي شهدت أكثر من ترجمة للكتاب منها ترجمتان الشاعر اللبناني يوسف غصوب، والشاعر العراقي سعدى يوسف، والقاص المغربي محمد المزديوي، ولم يتوقف نشر الكتاب على الشكل المطبوع حيث قدمت دار نشر "جاليمار" الفرنسية نسخة إلكترونية منه مصحوبة برسوم متحركة.

السبت، 4 مايو 2013

عن معرض "ألف ليلة وليلة" في معهد العالم العربي! Les Mille et Une Nuits


«معهد العالم العربي» يستنجد بـ«ألف ليلة وليلة»






باريس تكرم الكتاب الملعون الذي لن يبوح بسره
باريس: محمد المزديوي
لن يفلح معرض «ألف ليلة وليلة» الذي يخصصه «معهد العالم العربي» لأحد أكثر الكتب شهرة على الإطلاق، في كشف ما خفي من أسراره، أو معرفة حقيقة أصوله. لكن ما روته شهرزاد لشهريار يبقى من أكثر القصص جاذبية وإدهاشا وغرائبية، وهو ما يعول عليه المنظمون لجذب أكبر عدد من الزوار. كتاب ما يزال يثير الأسئلة ويحض على الحيرة، لهذا تلقفه الغرب بشهية بينما لا يزال يتقزز منه بعض أهله. فأين نحن من الليالي وعجائبيتها؟
ليس ثمة شك في أن كتاب ألف ليلة وليلة هو الكتاب العربي الأكثر شهرة في العالم (نتحدث هنا عن الأدب). وليس ثمة ما يدهش حين نستخرج هذا الكتاب من رفوفنا المغبرة كلما أحسسنا بوهن أمام الغرب والحاجة لإثبات قدرتنا على التخييل أمام الثقافات الأخرى. وأصبح الكثير منا يحسّ بالفخر حين يعترف هذا الكاتب الغربي أو ذاك بتأثره بالكتاب. مزيج من السعادة والارتياح لكون هذا الكتاب لا يتوقف عن إثارة إعجاب الغربيين بهذا التراث العربي الأصيل، رغم أصوله الهندية والفارسية، وهو ما لا يتوقف الكثيرون عن قذفه في وجوهنا، كما يفعلون عادة حين نتحدث، بسذاجة، عن اكتشاف العَرَب للصِّفْر وغيره من العلوم فينسبونها للهند.
وطبعا هو الكتاب الذي لا يتوقف عن فتح الأسئلة. ويأتي المعرض الكبير الذي يقيمه «معهد العالم العربي» في باريس احتفالا بهذا الكتاب لنعيد معه الكثير من الأسئلة التي طُرِح الكثير منها في السابق والتي لم تَحْصُل (ولن تحصل) على جواب. ولعلّ البعض منها يُطرَح على كل كتاب كبير أثَّر في الثقافة العالمية. لعل «دون كيخوته» واحدٌ منها.
ولم يخطئ معهد العالم العربي في قراره، والنجاح سيكون حليفه بالتأكيد، فَكُلّ واحد منا «فيه شيءٌ من ألف ليلة وليلة». وسينضاف هذا المعرض إلى قائمة المعارض التي حققت نجاحا في المعهد، ومن بينها: معرض «مصر الفرعونية» والآخر عن «أم كلثوم» (بعض المعارض كانت مكلفة وفاشلة!). سينجح الرهان طبعا في المزاوجة ما بين تقديم الثقافة لجمهور غربي وعربي وتحقيق الربح من أجل تأمين سير المعهد ودفع مرتبات الموظفين...
لم يُعامِل العرب في تاريخهم «الليالي» بمودة تستحقها. ففي بعض الفترات الحالكة، من تاريخنا المعاصر، كان الكِتاب يتعرض لمناقشات عاصفة في برلمانات وكأنه يُهدِّد الأمن القومي العربي. ووصل الأمر أحيانا إلى إصدار قرارات ببتر أجزاء منه، إرضاء لما يسمى بالأخلاق العامة، متناسين أن ثقافتنا العربية، ومن بداياتها، تحتوي على ذخيرة عجيبة وفريدة من النصوص التي تنضح حرية وتخييلا ومَرَحا.
يقدم المعرض هذا الكتاب باعتباره: الكتاب الذي «لا نهاية له»، أو الذي يمتلك «كل النهايات»، يمتلك قصة تشبه في ثرائها وإدهاشها وغناها وإبهارها تقلّبات الحكايات التي تتضمنها والتي تعتبر مصادِرُها، هي أيضا، متعدِّدة. وهذا العمل الشعبي الذي يحمل الأساطير والمعتقدات الخاصة بالشرق شهادة ثقافية فريدة. إنه مَصْدر تعددية الصُّوَر عن الشرق - صحيحة كانت أم مغلوطة - وأصل الكليشيهات التي صنعها الغرب، والتي تكوّن نوعا من «القواميس» والتي لم تتوقف مخيالات أجيال كاملة من فنانين ومبدعين عن الاغتراف منها. هذه الأجيال التي لم تكتف بالاغتذاء منها بل وقامت بإثرائها. وهكذا تشكل هذه التحفة الأدبية العالمية الرائعة آصرة استثنائية ما بين الشرق والغرب.
ولهذا السبب بذل المُنظمون جهدا استثنائيا من أجل تجميع مواد تتعلق بالكتاب، من أجل محاولة تفسيره والاقتراب منه:
«ما يوازي ثلاثمائة وخمسين عملا تتيح للزائر الاقتراب قدر الإمكان من شخصية شهرزاد العظيمة، والتي من دونها ما كان لليالي الشهيرة التي تشكل موضوع هذا المعرض، والتي سَيَتِمّ عرض بعض مخطوطاتها الأكثر قِدَما، أن يكون لها وجود. سيكون بالإمكان تتبع العمل، منذ بدايته وأُصُولِه الهندية - الفارسية، مرورا بالحكايات العربية التي تعود إلى القرن التاسع الميلادي وصولا إلى أنطوان غالاند الذي كان صاحب أول ترجمة لليالي إلى لغة أوروبية».
قيمة الكتاب الكبير تتجلى في الأسئلة التي يثيرها وليس في الأجوبة التي يمكن أن نستخلصها. ولعل السؤال الأول الذي لن يجد جوابا هو المتعلق بأصوله. صحيح أنّ الحكاية الإطار ذات جذور هندية، وليس الأمر مستغربا إذ أن «كليلة ودمنة» نفسها من أصول هندية وقام ابن المقفع بتعريبها. ثم تأتي الإضافات الفارسية. وحتى لو اقتصر دور الفرس على تسريب ونقل ما هو هندي إلى العرب لَكَفَاهُم شرفا. أَلَمْ يُؤكد الأنثروبولوجي البريطاني جوزيف نظام على أن دور العرب في نقل الاكتشافات الصينية إلى الغرب حاسِمٌ في التاريخ ويمنحهم شرَفا لا يُنسى؟! إذن فالهنود، بصيغة الجمع، هُم من اخترع الليالي، ولكن لا يوجد اسم واحدٌ مُعيّن. وهذه الصدفة هي التي جعلت البنيوية تحتفي بـ«موت المُؤلِّف»، أو بالأحرى لا أهميته. ألَمْ يُقرِّر موريس بلانشو أن يختفي عن الأنظار بصفة نهائية، مفضِّلا ترك نصوصه تدافع عن نفسها من دون حاجة إلى معرفة بيوغرافيا صاحبها وصوره الفوتوغرافية؟!
كتاب «الليالي»، أو كتاب «الليالي العربية»، كما يقول البريطانيون، أو رواية «ألف ليلة وليلة» أو «حكايات» أو «قصص» ألف ليلة وليلة، هو الكتاب الأدبي العربي الوحيد الذي لن نتعب في العودة إليه. وإذا كان الكثيرون من دارسيه يشكرون الترجمة الفرنسية لغالاند في منحه الشهرة العالمية التي حصل عليها، قبل أن يعود العرب إلى إيلائه بعض الأهمية، خصوصا بعد ظهور المطبعة (وقد تمت بفعل «حملة» بونابرت على مصر) وبالتالي طبعة بولاق الشهيرة، وهو أمر لا مراء فيه، فإن الكثير من الدارسين أغفلوا أن «الليالي»، شأنها شأن كتابات الرحّالة الغربيين الحالمة والشبقية للعالم العربي ساعدت على تحبيب فكرة الاحتلالات الغربية للعالم العربي.
ها هي الليالي تُطبع في بلاد عربية كثيرة. ولكن لماذا يظل هذا الكتاب ملعونا؟ لماذا لا نرى فيه سوى الأشياء المقززة والمريبة والهدامة (هل كان الخليفة هارون الرشيد في حقيقته مشابها للصورة التي تقدمها عنه الليالي؟).
يحتفل هذا المعرض بحضور حواضر العرب الكبرى في الكتاب: بغداد ودمشق والقاهرة. لماذا لا نلتفت، بما يستحقه الأمر، إلى إضافاته العربية؟ ألَيْسَ من الممتع قراءة «حكاية الجارية تودّد»، وهي تجادل علماء بغداد وتنتصر عليهم، بدل التركيز المبالغ فيه أحيانا على البدايات اللاعربية؟!
بالطبع ليس الأمر ميؤوسا منه. فالدراسات العربية التي تناولت الكتاب في تصاعد مطرد. ولا يجب أن نغفل الدراسة الرائدة التي قامت بها سهير القلماوي تلميذة طه حسين للكتاب. ثم يأتي بحاثة عرب آخرون أثروا الكتاب بتأملاتهم وتحليلاتهم وتحقيقاتهم ومن بينهم الراحل العراقي محسن مهدي، رغم تركيزه على ليالي «غالاند»، وقد اشتُهر مهدي بتحقيقه لكتاب «ألف ليلة وليلة»، الذي أثبت فيه أنه لا يضم سوى 282 ليلة: «مبيّنا» أن مستشرقي القرنين 18 و19 هم الذين غيروا ومدّدوا العدد لكي يصل إلى «ألف ليلة وليلة».
وفي مواجهة هذه القراءة «الطهرانية» التي تتحرى معرفة الأصل، وهو أمر مستحيل، بسبب ندرة المادة التاريخية، تظهر مدرسة أخرى لا تعير للعدد (1001) كبير أهمية، وتستلهم من دراسة خورخي لويس بورخيس الشهيرة: عن المجاز، منطلقا لها: (لأنّ «ألف ليلة» تعني ليالي كثيرة، تحديدا كما تعني كلمة «أربعون» عددا كبيرا في لغة القرن السابع عشر. كتب شكسبير: «حين سيضربُ أربعون خريفا جبهَتَكَ». وأفكر أيضا في تعبير إنجليزي رائج: «أربعون غمزة» التي تدلّ على القيلولة.. ولا تجد حرجا في أن يكون بحوزتنا أكثرُ من ألف ليلة وليلة. إذ لو ألّفنا كتابا ووضعنا فيه كل الليالي التي تدَّعي وَصْلا بالكتاب لوجدنا أكثر من 30 ليلة بعد الألف.
ونجد على رأس هذه المدرسة عبد الفتاح كيليطو، الذي لا يجد حرجا في مساءلة الليالي وإحداث نوع من الحوار معها. لا يعتبرها جثة ميتة، وإنما تنضح بالحياة، فيعيد التواصل معها. وفي عمله الجديد، ويتعلق الأمر برواية «أنبئوني بالرؤيا»، يواصل مساءلة هذا الكتاب الذي يعج بالبشر وباللغات واللهجات، ويحاول أن يتطرق لمواضيع لم يتطرق إليها النقد الأكاديمي.
كتب الشاعر محمود درويش مرة: «وأسْلَمَنَا الغُزاة إلى أهالينا»، والحق أن هذه القولة تنطبق علينا، نحن الذين نهْرَعُ لقراءة كِتابِنَا، أو على الأقل تصفحه، حين نرى الانتشار الجماهيري لنصوص وروايات غربية تستلهم تراثنا من «ألف ليلة وليلة» وغيره. ولَكَمْ كانت غيرة، وأيضا عجز، كُتّابنا العرب، أمام ظاهرة «باولو كويلو» البرازيلي وهو «يستنزف» ذخيرتنا العربية، يمنح المتعة للقُرّاء ويجني الملايين. لقد جرّب الروائي الأردني الراحل غالبا هلسا استثمار الليالي في نصوصه ولكن الجمهور العربي لم يكن على موعد.
ألف ليلة وليلة هو الكتاب «الكامل»، بمعنى أن الجميع يجد فيه ضالته. حتى وإن كانت النيات مختلفة. فهو كتاب الرجولة والفحولة من جهة (شهريار ونزواته التدميرية). وأيضا كتاب الحرية وانتصار المرأة بذكائها وجَلَدِهَا (شهرزاد واستدراجها الذكي للملك) بل وحتى النسوانية قبل الأوان، كما تفعل الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي. ما هو الهدف الحقيقي من مثل هذه المعارض؟ ليس من شك أن معظم من سيأتي لمشاهدة المعرض يعرف أشياء عن/من الكتاب وتاريخه وحكاياته. وإذا ضربنا صفحا عن القيمة المالية المؤكدة لمثل هذا الاستثمار، فهل يمكن القول إن الليالي ستحسّن من صورة العربي لدى الغربي؟ الجواب ليس مضمونا. إذ أن تحوُّل العالم إلى قرية كونية وشيوع السياحة لم يُوقف من سيل الكليشيهات القروسطوية التي تطفح على السطح كلما سنحت الفرصة لذلك. ولعل قصة الكاريكاتير والفيلم وحروبنا الداخلية لا تُساعِد على تلميع صورتنا في مرايانا المنكسرة.
سيكون الجمهور على موعد مع «ما يقرُبُ من 350 من الأعمال التي تمثل أجيالا وأساليب مختلفة (من الفن الفاطمي إلى نقوش بيكاسو...) تم جلبها من 62 متحفا وطنيا ودوليا ومن مجموعات خاصة». ولأن الكثير من كنوزنا، العربية الإسلامية، لا يزال في طور جنيني: طور المخطوط، فإن المعرض آلى على نفسه «جلب مخطوطات نادرة، لم يَرَهَا الجمهور من قبلُ (شيكاغو، مانشستر، أوكسفورد، كمبردج، برلين، طوبينغين، برشلونة، الفاتكان...)، وستُعرَض في هذا المعرض».
يقول لنا منظّمو المعرض إن «ألف ليلة وليلة، وقبل أن تنتقل إلى الغرب، كانت تُقدَّمُ باعتبارها نصّا من دون صُوَر. وبفضل أبحاث حديثة جدا، لا تزال مجهولة لحدّ اليوم، تمّ اكتشاف 20 مخطوطا مُصوَّرا لألف ليلة وليلة من بين 140 مخطوطا معروفا: ويُعرَض، بهذه المناسبة، مخطوطان من بين أجملها. كما أنه سيتم عرض أعمال لفنانين من المستشرقين ومن فناني العصر الحديث: دوزاتس، باربيي، بيكاسو، مارغريت، فان دونجن، شميد، باكست..».
لعل الجميع سيجد ضالته في هذا المعرض (مخطوطات وأفلاما وصُورا ولوحات وندوات)، ولكن من المؤكد أنّ الليالي لن تبوح بسرِّها النهائي. إذ من يبوح بِسِرِّه فإنما يَسعى لحتفه، وهو ما قاله النِّفري لصديقه الحلاج.
عُمْرٌ طويل «لليالي» العربية!

الخميس، 2 مايو 2013

أي "ربيع" عربي، هذا، والجامعة العربية تبيع فلسطين؟! Les Arabes entrain de vendre la Palestine



على خطى "الرئيس" الفلسطيني المهزوم، أبو مازن، الذي ساهم في التمرد على الرئيس الخالد ياسر عرفات (أبو عمار) وعلى خُطى وفده المتفاوض اللئيم، والفاقد لكل حسّ وطني، والذي مثّله أزلام صغار من طينة، قريع أبو العلاء وياسر عبدو ربه وصائب عريقات ومن لفّ لفّهم، والذين باعوا القضية الفلسطينية، على إيقاع رقص وغنج الفاسدة اللعوب تزيفي ليفني، تأتي الجامعة العربية، وتحت قيادة، هذا المصري، الذي تمّ تسويقُهُ على اعتباره وطنيا وملتزما، لتكمل المشوار، وتبيع ما تبقى من فلسطين، بدعوى الواقعية والسلام...
تبّا لكم، جميعا!

لن تنفذوا جريمتكم، فالقدس عصية على جبنكم وخيانتكم ونذالتكم...

عاشت فلسطين حرة، كما صدح صدام يوم اغتياله!  

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

Annie Ernaux آني إيرنو، الكاتبة المتميزة في المشهد الثقافي الفرنسي الحالي!

 
أني إيرنو تصنع الحدث الثقافي الفرنسي وتكسر الرتابة
كاتبة التفاصيل الصغيرة والعارية
باريس: محمد المزديوي 




















قلّما يجمع المشهد الثقافي الفرنسي على امتداح أديب كما يفعل هذه الأيام مع الروائية الفرنسية آني إيرنو. ربما الوحيد الذي يجاورها في الأمر هو باتريك موديانو، الذي لا يتوقف عن قصّ حكاية باريس، وكأنها سكنته إلى الأبد.
في جعبة إيرنو روايات أو كتابات سردية عديدة، وكلها تنبش في التفاصيل الحياتية وتتخذ منها مادة دسمة وبالغة الحنان والانفعالات. فبعد أن كتبت، عن وفاة والدها في نص سردي بالغ السلاسة ويتدفق إنسانية وهو «المكان»، عاودت من جديد الحديث، ولكن عن والدتها، في كتاب «امرأة». حيث تكتبُ:«أحاول ألا أعتبر العنف وتفجرات أمي فقط باعتبارها ملامح شخصية من الطباع، ولكن أحاول أن أضعها في تاريخها وفي شرطها الاجتماعي. هذه الطريقة في الكتابة، التي يبدو لي أنها تسير في اتجاه الحقيقة، تساعدني على الخروج من العزلة وظلام التذكار الفردي، من خلال اكتشاف دلالةٍ أكثرَ كرَما. ولكني أحسّ بأن شيئاً مَا في داخلي يقاوم ويريد أن يحتفظ من أمي بِصُور بالغة العاطفة والتأثير، لا غير، أي الحرارة أو الدموع، من دُون منحها معنىً».
وُلدت آني إيرنو سنة 1940، ومارست التدريس إلى أن تقاعدت. في سنة 1984 حصلت على جائزة رونودو عن كتابها ذي الطابع الاوتوبيوغرافي، «المكان».
تستغرق المؤلفة كثيرا في تفاصيلها (الحقيقية والواقعية) وتعيد تشكيلها إبداعياً فتمنحنا مجموع ما تكتبه. أي يصبح كل ما تعايشه مادة مستقبلية للكتابة. «المكان» و«العار» عن والديها و«ما يقولون، أو لا شيء» عن مراهقتها، «المرأة المجمَّدة» عن زواجها، و«الحدث» عن إجهاضها، وأمّا عن مرض الزهايمر الذي أصاب أمها فكرّست له «لم أخرج من ليلتي»، وفي «امرأة» عن وفاة أمها، وفي كتابها «استخدام الصورة» عن إصابتها، هي، بالسرطان، وقد كتبته مع صديقها مارك ماري، كما أنها كتبت، بالتعاون مع فرديريك ـ إيف جانيت «الكتابة كسكّين». ولأنّ كل شيء ينطلق من الاوتوبيوغرافيا، فلا يمكن إغفال كتابها المثير L’occupation وهو نصّ تتحدث فيه (آني إيرنو/الساردة) عن انتهاء قصة حبّ جارفة مع عشيقها الروسي، قصة حب دامت ست سنوات. (الساردة توقف علاقتها مع عشيقها بعد ست سنوات، ولكن حين يصارحها العشيق برغبته في العيش مع سيدة أخرى، ينتاب الساردة شعور لا يصدق من الألم والمعاناة والغيرة والهوس الرهيب بهذه السيدة التي أخذت مكانها مع العشيق).
كل شيء عند آني إيرنو بالغ الصدق، وبالغ المعاناة. فلا يحس القارئ بأي خداع ولا غش.
هذه الكاتبة التي لا تعنيها المواضيع والانشغالات الكبرى كالنسوانية:«توجد مواقف، تتطلب مني، كامرأة، أن أدافع عن نفسي. في كتابي «الحدث» أردت أن أقول بأنه يوجد شيء لا ينتمي سوى للنساء، وهو قضية نسائية، وهو حدث كلي اخترقه التاريخ والسوسيولوجيا والميتافيزيقيا وعلم النفس إلخ، وهو ما يورّط الكائن البشري كله، إنه أبعد من ما هو جنسي. يتعلق الأمر في الكتابة بأن نصل إلى شيءٍ مَا لا مادي، وبأن نجعل من هذا الحدث حدث كتابة».
تخلت إيرنو عن كتابة الرواية، منذ روايتها «المكان»، وتبرر الأمر بأنها لم تعد قادرة. «أعتقد أني لن أكتب أي رواية. مادّتي هي تقاطُع التجربة التاريخية والفردية، ومن أجل هذا لست في حاجة إلى التخييل» هل تكتب إيرنو «التخييل الذاتي»؟ تجيب بأنها «معجبة بأعمال «سيرج دوبروفسكي» الذي اخترع هذا المصطلح. ولكنّ ما يضايقني هو كلمة «أوتو» (ذاتي)، إذْ إنه يوجد لديّ انطباع بأن كتبي مرتكزةٌ عليّ. أنطلق من ذاتي ولكني لستُ في بحثٍ عن الهوية».
تعود إيرنو، هذه الأيام، إلى صنع الحدث الثقافي. وبالفعل يبدو كتابها الجديد «السنوات» (الصادر كبقية كتبها عن دار غاليمار) مكسرا للرتابة التي ولجت فيها الثقافة الفرنسية مع قصتي كارلا بروني وسيسيليا ساركوزي، حيث كُرّس لكل واحدة منهما ثلاثة كتب على الأقل، وأصبح مؤلفو هذه الكتب يحتكرون البرامج الثقافية، وكأنما يصنعون الأدب.
كتاب آني إيرنو الجديد يَعْبر مسيرة ستين عاما من عمر الكاتبة. حصيلة حياة. اشتغلت فيه على توليفة ما بين الذكريات الشخصية والصُوَر واليوميات والإشارات التاريخية. كتاب لا يخلو من نبرات حزينة، خصوصا أنها تعاني من مرض السرطان الذي كرست له كتابها السابق (استخدام الصورة/2005). ومع دخول الكاتبة في مرحلة علاج مكثف، يبدو وكأن الكتاب وصيتها الأخيرة.
ترددت كثيرا في اختيار العنوان. وكانت تراودها عناوين مختلفة من بينها «أيام العالم» و«ضوء الآحاد» و«ضوء السنوات»، وأخيرا قر عزمها على «السنوات». وفي هذا الكتاب، الذي يرى فيه ناقد لوموند الأدبي، «رواية كليّة»، حيث «جمَّعَت فيه الكاتبة بطريقة بارعة، كلّ ذكرياتها» تصر إيرنو على أنه لا علاقة لها بالتخييل الذاتي:«استخدام الأنا هو العلامة على الاوتوبيوغرافيا، لكنه أيضا وسيلة لقول العالم الذي يحيط من حولنا. شرط ألا يتعلق الأمر باوتوبيوغرافيات مرتكزة، بغباء، على الذات، بطبيعة الحال». وتواصل قائلة: «أنا بفضل الصُوَر التي أتاحت لي أن أتوقف عند الذاكرة. أفضل استخدام يومياتي وملاحظاتي وذكرياتي. كل هذه الكتابات المختلفة أتاحت لي أن أتحدث، في آن واحد، عن التاريخي والحميمي وعن تغيُّر أشياء الحياة والذاكرة. إنه كتاب عن الزمن والذاكرة». «لا تهمني كلمة «تخييل» ولا كلمة «ذاتي». أفضل في نهاية الأمر، أن أحافظ على كلمة اوتوبيوغرافيا «على الرغم من أنه لديّ صعوبة في استخدامها».
القارئ الفرنسي الذي يقرأ ويسمع حتما، ما قالته سيسيليا عن زوجها ساركوزي (هو شغل الناس الشاغل) بلغة عارية، لا مواربة فيها، سيقرأ، مع كتاب آني إيرنو، لغة عارية، بلا مواربة، أيضا، لكنه هذه المرة سيكون في صميم الكتابة الإبداعية والأدبية، وليس في جحيم السياسة ومداهناتها المكيافيلية.

الثلاثاء، 22 يناير 2013

حضور الفيلسوف جيل دولوز GILLES DELEUZE


كتبه تعاد طباعتها والحوار معه مستمر
جيل دولوز يعود إلى الواجهة في فرنسا وكأنه ما يزال حيا
باريس: محمد المزديوي
ليس فقط لأنّ «كونزابورو أُوي» الروائي الياباني الحائز جائزة نوبل، قال إن «كتاب دولوز عن سبينوزا، هو الوحيد الذي ساعدني على الولوج إلى عالم هذا الفيلسوف الكبير»، وليس فقط لأنه مرت عشر سنوات على رحيله المفاجئ، إثر انتحاره (بعد معاناة شديدة مع جهازه التنفسي)، عاد الاهتمام إلى دولوز وأعماله. فالحقيقة تقول إن هذا المفكر لم يتوقف عن إثارة الجدل، والولوج في معظم النقاشات الفكرية والمجتمعية الفرنسية.

جيل دولوز هذا الفيلسوف الذي كان لا يتخوف من إبداء رأي، حتى لو كان جارحا، في أية قضية، يعرف عنه عداؤه الشديد لوسائل الإعلام، ومن هنا رفضه القوي لإعطاء حوارات أو لقاءات صحافية، شأنه شأن عالم الاجتماع بيير بورديو أو الفيلسوف الشهير ديريدا.
دولوز الذي كان يرى بأن وظيفة الفلسفة هي «خلق مفاهيم، وليس خلق أفكار»، أو تغيير العالَم، كما يروق للكثيرين، عُرِفَ عنه بقوة، انفتاحه الكبير على مواضيع خارج الفلسفة، إذ أنه اشتغل على بروست وبيكيت وكافكا، واهتم بالسياسة وخصوصا بالفلسطينيين (حوار أجراه معه المؤرخ الفلسطيني إلياس صنبر/صحيفة ليبراسيون الفرنسية: «هنود فلسطين الحمر»)، وعني بالسينما والفوتوغرافيا والموسيقى وعرفات (عظمة عرفات).
الذكرى العاشرة لرحيله حملت معها الكثير من الإصدارات التي تُولي، أو تحاول أن تولي، الرجُلَ المكانةَ التي يستحقها في وقت خلت فيه الساحة الفكرية من فلاسفة كبار من طرازه، بعد رحيل ديريدا وبول ريكور، وبعد أن سيطر على الوسط الفكري والإعلامي ما يسمى بالفلاسفة الجدد الذين كان يحتقرهم الراحل، ومن بينهم برنارد هنري ليفي أو فينكلكروت ومن لفَّ لفهما.
بين أهم الكتب التي ظهرت أخيرا بهذه المناسبة، يقفز إلى الواجهة عنوانان بارزان: «دولوز والفنّ» Deuleuze et l’art للباحثة آن سوفانيارغس Anne Sauvagnargues. تقوم فيه الباحثة بتحليل ما كتبه دولوز عن الأدب (بروست، كافكا، ميلفيل وبيكيت)، وعن الفن التشكيلي(فرنسيس بايكون) وعن السينما، وتنتهي بأن تعيد تشكيل مجموع «النَّسَقَ» الدولوزي، بصرامة. المُؤَلَّفُ سيكون مرجعا ضروريا للباحثين حول نصوص دولوز، إذ أن الفن يحتل مكانة مهمة في تفكيره. من الأدب إلى السينما، ومن الحرف إلى الصورة، يُنظِّر دولوز في ميدان الفن بالاستعانة بمصطلحات جديدة جدا، وصعبة وجذابة: جسد من دون أعضاء، آلات الرغبة، صيرورة ـ حيوان، ريزوم، خطوط الهرب، إلخ من المصطلحات الدولوزية... يتعلق الأمرُ بعرض الاشتغال الدقيق، من خلال إبراز كيف يصبح الفن، في نظر دولوز، آلة لارتياد مصائر المجتمعات: في «نقد وعيادة» يكتشف القوى الاجتماعية ويجعلها محسوسة. ولكن الفنّ ينتج بشكل خاص، تأثيرات حقيقية، وليس فقط مُتخَيَّلَة، وإذنْ فإن الصورة ليست معطى ذهنيا ولكن واقعا موجودا. هذا المُؤَلَّف يقترح تسهيل الوصول إلى الأعمال الحاسمة لدولوز، من خلال إعادة مساراتها، انطلاقا من هاجس أقصى درجات الوضوح.
الكتاب الثاني الهام هو «دولوز بأصوات متعددة، مقاربات وبورتريهات» Deleuze épars, approches et portraits عبارة عن مقالات قام بتجميعها «أندري بيرنولد» André Bernold و«ريشارد بينهاس» Richard Pinhas وصدرت عن دار النشر «هيرمان» في أكتوبر 2005. الكتاب يحوي مقالات متعددة، ونقرأ فيه وجهات مختلفة، بسبب تعددية اختصاصات المشاركين في هذا الكتاب/التكريم. من البداية، يجب أن نعترف بأن كل المشاركين لهم تقدير ومحبة كبيرة تجاه الرَّاحل. ومن هنا لا يجب أن ننتظر انتقادات، أيّا كان نوعُها. المشرفان على تجميع المقالات، كانا من طلبة الفيلسوف ومن مرافقيه الأوفياء. ويكفي أن نرى صورة واحدة لدولوز وهو يلقي محاضراته في «جامعة فانسين» حتى نلمَحَ الرَّجًُلَين، وهما يصغيان لحديث دولوز باهتمام كبير.
شارك في الكتاب المفكر الفرنسي، جون ـ ليك نانسي بمقالة هامة عن «الاختلاف المتوازي ما بين دولوز وديريدا» والمفكر، جون بيير فاي بمقالة عن «دولوز ظَهرا لِظَهر وفي الواجهة» في حين يكتب الباحث روجي ـ بول دروا عن «صُوَر ـ دولوز»، أما روني شيرير فيتطرق لـ«تصوف دولوز غير المؤمن»، ونقرأ مع جانيت كولومبيل عن «دولوز ـ سارتر: آثار»، ونقرأ في المقال نصا نادرا لدولوز عن الفيلسوف الراحل جون بول سارتر، وكذلك مقالا طريفا من توقيع أرنولد فيلاني بعنوان «كي يمكن للمرء أن يكون دولوزيا؟»... ثمة مقالات أخرى حميمة عن الراحل، يكتشف القارئ من خلالها جوانب غير معروفة من حياة المفكر. كما أن الكتاب يتضمن صورا نادرة للمفكر، بالإضافة إلى صور من مخطوط كتابه الشهير «نظرية التعدديات لدى برغسون».
كثيرٌ من الكتب الأخرى ظهرت أو أٌعيدَ إصدارها، ومن بينها «ما الفلسفة؟» لديل دولوز وفييكس غاتاريGuattari، وأيضا كتاب «فلسفة جيل دولوز«لـجون ـ كليت مارتين Jean-Clet Martin، الذي أعيد طبعه بالإضافة إلى العدد الممتاز من مجلة «لارك»، وأيضا الكتاب الذي صَدَر حديثا عن دار «لارماتون»: «جيل دولوز، اختبار الزمن» لـيان لابورت Yann Laporte أو كتاب «الصحراء أو استيتيقا جيل دولوز» لميراي بويدينس Mireille Buydens الذي سيصدُرُ قريبا جدا عن دار النشر «فرين».
لم ينس الباحثون والمهتمون جيل دولوز، ولم ينتظروا هذه الذكرى العاشرة كي يعودوا إليه من جديد، لكن المناسبة هي لتذكير الجمهور العريض بقامة كبيرة من وزنه، ولإعادة طبع كتبه القيمة، ومواصلة الحوار معها، خصوصا أنه من بين الفلاسفة الفرنسيين الأكثر شهرة في العالم إلى جانب ديريدا وفوكو وريكور.
جيل دولوز، مفكر يحتاجه بالفعل الواقعُ الصعبُ الرّاهن، السياسي والمجتمعي المُعَوْلَم، في وقت خَفَتَ فيه دورُ المثقفين في الساحة، إن لم يكن قد تلاشى نهائيا. كما أننا، نحن كعرب، افتقدنا فيه واحداً من ألمع المفكرين المتضامين مع قضايانا العادلة، وأصبحنا بالفعل من بين أيتامه.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط